-بل أنه زاد أخي يا جداه، لقد سمحوا لنا اليوم لأول مرة منذ ستة أشهر بأن نحمل إليه طعاما، وأنت تعرف أن تناول طعام السجن وحده لمدة ستة أشهر مما يوهن العظم وينخر الشباب ...
ففغر الشيخ فاه في سخرية من هذا الغلام الذي يتحدث عما يوهن العظم وينخر الشباب، وهو في ميعة الصبا ... فهل تراه يزعم لنفسه أنه بلا ذات الشيخوخة ... ؟
ولم يتمهل الغلام وإنما تابع سيره في جذل ليحمل الطعام إلى أخيه السجين، ويراه لأول مرة منذ اعتقل في مسجد المدينة.
ذلك أن السلطة الفرنسية في المدينة المغربية الصغيرة قررت أخيرا أن تكون رحيمة .. وأن تسمح لعائلات المسجونين بزيارتهم بعد هذه المدة الطويلة، ولعل مما دعاها إلى ذلك اطراد فترة التوتر ورغبتها في عودة المياه إلى مجاريها بعد أن تم ما رمت إليه من إبعاد السلطان محمد بن يوسف من البلاد، فلن يكون غيرها الكاسب من وراء عودة الأشياء إلى طبيعتها فيسود الهدوء وتطمئن الأنفس، وينسى الرجل الكبير في منفاه.
قال الشيخ مخاطبا نفسه في إصرار وفضول:
بماذا يفضلني هذا الولد؟ أنا أيضا سأذهب إلى السجن، فلعل أن يكون من بين نزلائه شيخ في مثل سني لا أخ له سواي ..
ولم يكن من اليسير على عم مكوار أن يصل إلى مكان السجن خارج المدينة بالرغم من أنه كان غير بعيد، ولكن عم مكوار إذا قرر شيئا فلا أحد يستطيع أن يصده عن قراره، بالرغم من الدبيب الذي طال، والتوقف الذي تعدد تمكن أخيرا من أن يقترب من السجن.