صحيفة الوجود، وقد راينا كيف انتقم الامير البربري كسيلة من عقبة، ذلك الانتقام الهائل لاهانة بسيطة صدرت من عقبة، ما كان اغناه عنها.
ومن هنا يبتدئ الدور الخطير الذي لعبه يليان في فتح الاندلس، ذلك الفتح الذي تحدث عنه التاريخ، ولازال يتحدث عنه باعجاب واكبار، والذي سنرى انه يرجع فيه الفضل اولا واخيرا إلى يليان، والى سياسته وحكمته.
في هذه الظروف الحاسمة، اتصل يليان بموسى ابن نصير، وعرض عليه ان يسلم سبتة وتبقى تحت امارته، وكان ذلك شبه صلح انعقد بينهما، وقدم يليان لموسى مشروعه الخطير لفتح الاندلس، وطالما ذلك الحصن المنيع، الذي كان ينظر منه إلى بعيد، وكان القدر كان يعلم منه ذلك فهيا له كل الاسباب، وقد اجاب يليان إلى ما اراد، وقبل منه ان تبقى سبتة تحت امرته، وظل قومه على ما كانوا عليه من دين النصرانية، وتختلف الروايات في امر هذا الاتصال، فمن قائل انهما اتصلا بالمراسلة، ومن قائل انهما اتصلا بالمقابلة الشخصية، وان يليان استدعى موسى إلى سبتة، وهناك وقعت المفاوضة بينهما، ومن قائل انهما اجتمعا اخيرا في سفينة بالبحر، وعلى أي حال فان موسى بن نصير اهتم بمشروع يليان اهتماما عظيما، وعرف في شخص يليان، السياسي المحنك، والقائد المجرب، والبطل الشجاع، وقد راى في عينيه العزيمة الصادفة - وهو يشرح له حال الاندلس في تلك الظروف وما تعانيه من خلاف، وما يسودها من ضعف وانحلال، واطلعه على خصبها وغناها، وجعل سفنه وكل ما له من عتاد، في عونه، واسناده، حتى النهاية. وقدر موسى اهمية هذا الفتح، يخبره بامره المشروع، فاجابه بعد تلكؤ ان اختبرها بالسرايا.