وقد كانت رسائلي إليه قبل وفاته تقصد إلى"تحريكه"و"تفقده"لاسيما وأنا أعلم أنه طريح الفراش، وكان وصول أجوبته، بالنسبة إلى، بشرى تزف إلى"إنه ما يزال بخير على كل حال".
ولشد ما يدهشني فيه أنه ما أنفك يسألني عن"مسائل شرقية"ملحا بصفة خاصة على عدم الاكتفاء بالجواب دون أن أشير إلى مصادره، وإلى أرقام المجلدات، وتاريخ الطبعات وعدد الصفحات كأنما كان يعد بحثا أكاديميا لكل مسألة يتعلق غرضه بها ..
سألني عن مقالات في مجلات عراقية كاد أهل بغداد أنفسهم أن ينسوا أمرها: وسألني عن الصومعتين المتحركتين في مدينة أصفهان حتى يحقق مع بعض الرحالة فيما كتبوه عن بلاد فارس،، وسألني عن مخطوطات (واحة الجغبوب) بليبيا مؤملا معرفة مصيرها ..
كنت بين هذا وذاك أشعر بأنني ما أزال إلى جانب أستاذ، مهما بعدت المسافات بيني وبينه، فإن به باعثا من أمل ورمقا من حياة، إلى أن وصلتني منه رسالة لا شك أنه كتبها وقد رأى أمامه ما رأى ..
حملت بالنسبة إلى رثاء منه لنفسه: وقد أدركت _على التو_ بأنه يلمح لمشاعر يائسة، تنذر بأيام من حياته عابسة، بالرغم من أنني كنت بين الفينة والأخرى استدرجه لمعرفة ما يشغله من بحوث، وما يستهويه من قراءات لكن لم أكن أتوقع أن يبعث إلى مرة واحدة بما أنجزه وينجزه من أعمال ..
كنت _وقد نزل القضاء_ أفكر في رثاء أخينا عبد الكريم ببعض ما أعرفه عنه من جميل الخصال وجميل الأحدوثة وطيب الأمثولة .. كنت أفكر أن أضع رسما أصف فيه حياة سيدي عبد الكريم في بيته بنظاراته