البيضاء بين كتبه، سواء منها الموضوع على الفراشين الأعلى و الأوسط أو البساط الأدنى، بين وصفات الأطباء وخصائص الأدوية ومنافع الفيتامينات، أصفه بعزيمته النافذة وإرادته الواصلة في الامتناع عن هذا الطعام أو ذلك المشروب، في خفة دمعه وهو يرسل النكتة ويتبعها بالفائدة بإشارة ذكية وتلويحات خفية، أصفه وهو في طريقه من مكتبه إلى بيته في يوم من أيام الخريف مدثرا ثيابه، جامعا بأطراف برنوسه، أصفه وهو يصوب النظر ويصعده في هدف من الأهداف أو طرف من الأطراف مطرقا يستجمع أنفاسه لإعداد جواب أو تلقي خطاب، أصفه يعبر عن حرج وعبئ ألما به من قولة طائشة جرحت مسامعه أو زيارة من طارق غير متوقعة أفسدت عليه برامجه:؟ أصف مشاعره وهو يسمع أو يرى خرقا لقاعدة أو إساءة لأدب أو عقوقا لتقليد أو كفرا بقيم أو إشادة بالحاد، أصفه وهو في اللحظات الأخيرة التي كنت أجلس إلى جانبه أغنم الحديث إليه، حيث كنت ألمس فيه مثال العالم الوفي المخلص لعلمه، كان يجود بأنفاسه مع صعودها كان ينثر أيضا الفائدة العلمية، بقلمه إلى ما قبل أسبوع، ومن وفاته وبصوته المتهدج بعد ذلك، وبإشارته عندما أعجزه اللسان، كنت أريد وأريد .. لكنني وجدت في استعراض آثاره تخليدا لذكره سيما وهي نتاج ليس كسائر ما ينتجه حملة الأقلام، ولكنها نتاج يعد من أهم ما حررته أقلام الأعلام ..
لقد دشن نشاطه العلمي ولم يبلغ من العمر سبع عشرة سنة حيث نشر في مطلع عام 1347 (يونيه 1928) كلمة عن ثورة الخيزران بمجلة (لغة العرب) البغدادية التي كان يصدرها الأب انستاس الكرملي في جزئها السابع من سنتها السادسة، وكانت بإمضائه المستعار (ابن خلدون الصغير)