فهرس الكتاب

الصفحة 15372 من 29568

في أعماق التاريخ، وتجريده من قيمه، وأخلاقه، ومعتقداته، وبالتالي ألباسه هوية جديدة بعيدة كل البعد عن مشاريع وتربيته.

وحتى ينقذ مخططه اتجه المستعمر بكليته إلى جامعة القرويين يروم نسفها وتقويضها لأنها كانت تشكل خطرا عليه، ولأنها ظلت على توالي العصور، مركزا مهما من مراكز الإشعاع الفكري، ومعقلا محافظا على الثقافة العربية الإسلامية، فلقد جعلت من فاس كعبة يؤمها طلاب المعرفة والعرفان لينهلوا من معينها لا من شمال إفريقيا فحسب، بل ومن أطراف أوربا أيضا، وفي ذلك ما يبرز أهيمتها، ويوضح المهمة الجليلة التي كانت تنهض بها، ويجلو للعيان الدور الحضاري الذي كان منوطا بها.

لقد أردك المحتل ذلك تمام الإدراك، فالغي منها العلوم الهامة مكتفيا بالقشور والطحالب التي تظل طافية على السطح، وتذهب كالزبد جفاء، فحول جامعة (القرويين إلى شبه مدرسة للأعراب والنحو لا تستغرق في العام أكثر من شهرين(12) .

وقال المارشال (ليوطي) لأحد أعوانه (إذا تم لفرنسا القضاء على القرويين، فقد ضمنت لنفسها الخلود في المغرب) ، وقال السيد مارتي: (أن تجديد القرويين سيمكننا من الاحتفاظ في المغرب بهؤلاء الشبان النازحين من عائلان مرموقة، بدل تركهم يذهبون إلى الشرق لتلقي العلم الذي تحرمهم منه القرويين في حالة عدم تجديدها، ماذا يمكن أن يأتي به هؤلاء الشبان من المشرق؟ إلا يعودون محملين بميول الانجليزية، أو بروح النهضة الإسلامية والتعصب الوطني؟(13) .

ماذا نستخلص من هذين النصين باستنطاقنا لهما؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت