في إشاعة المعتقدات المهترئة، وبث الخرافات الأسطورية التي ترسبت في بواطنهم، حفرت أخاديدها في ذاكراتهم.
فلذلك (ما كان الناس يبعثون أولادهم لأوربا من رغبة) (29) ، ثالثها أن ما كان يدرسه طالب البعثة لم يكن دسما وقويا فهو إلى التكوين أقرب منه إلى الثقافة، (وأكثره فيما يتعلق بالفنون العسكرية) (30) ورابعها وهو تتمة للأول (أنه لم يقع التفكير على ما يظهر في فتح مدارس لهؤلاء المتعلمين ليعلموا فيها ما حصلوا عليه من المعارف الجديدة لغيرهم من المواطنين حتى تعم الفائدة بذلك، وينتشر العلم على أوسع نطاق) (31) .
ولئن كانت مهمة السلفية تقتصر على إيقاظ الهمم الخائرة، واستنهاض العزائم الهامدة، وتقوية النفوس الكليلة، وشحذ القرائح المجدبة، وخلق مجال حيوي خلو من الزوائد والشوائب للفكر والثقافة - وان ظلا مشدودين إلى الماضي بخيط رفيع، وذلك أمر طبيعي- فإنها تعد عملا جليلا، ومهمة سامية نهضت بأعبائها بكل شجاعة، وأمانة تاريخية.
أما التعليم فقد كان محصورا في الكتاتيب القرآنية المتوزعة في المدن والقرى والمداشر، يدرس فيها القرآن بطريقة صرف تقوم على اعتلاء الفقيه مصطبته، وإشراقه على (الطلبة) الذين يحفظون كل سورة قرآنية على حدة سواء عن طريق السماع، أو بواسطة الألواح المكتوبة بـ"الصماق"، حتى إذا حفظ القرآن،"وحذقه"يقيم أهل الحافظ"الحاذق"مأدبة يستدعي أليها الأحباب، ويكون على رأسهم الفقيه.
ومن الجلي أنه لم يكن منتظرا من هذه الكتاتيب أن تخرج لنا ادباء نابهين، أو شعراء نوابغ، وفي كلمة واحدة شبانا مثقفين يمدون الثقافة الوطنية بدم جديد يسري في شرايينها لينعشها، ويقوم ودها (32) .