الفرد، و عوضوه ب"الغائب المفرد". و قد تجلى هذا الاستبدال بالقوة في القصائد الكنونية التي ينبع من الذات، و تعبر عن الذات، و تعود إلى الذات. و مثال ذلك القصائد"من هو الغريب" (17) ، و"هواجس الطبيعة" (18) و"سل عقد الهم" (19) و"أشواق" (20) و"كان لي قلب" (21) ، و"قلب" (22) ، و"الشاعر" (23) ،"صورة"، و"حقول الذرة في الصيف" (24) . و هي قصائد لا نشك بأنها تحفر مجراها في نهر الذات، لأن المواضيع التي طرقتها خاصة، و حتى بعضها الذي كان أكثر لصوقا منه بالطبيعة من الذات يدخل في نفس الاتجاه لأن هذه الطبيعة لا يمكن أن ترى بعين مجردة لا دخل للإدركات و العواطف و الأهواء و الإحساسات فيها. و على هدي من ذلك ترسخ اقتناعا بأن ذلك لا يعدو أن يكون ضربا من الاستبدال، وبأن هذا"الغائب المفرد"في زي جديد، و بطريقة مخالفة و مغايرة.
ب - المتكلم الجمع:
لا نجد هذا الضمير بيننا بقوة التي ألفينا عليها الضميرين السابقين، و لكننا عندما نعثر عليه، فإنه يكون في موضع بتميز بالتغني بالأمجاد الماضية، و ينم باستنهاض الهمم، و إيقاظ الضمائر و النفوس، و قرع النواقيس بقوة ليستفيق الهجع النائمون، و يرى ذلك - مثلا - في قصيدة"ألام و أحلام" (25) التي يصور فيها الشاعر حالة المسلمين في هذا العصر، مناديا بضرورة كبح جماح النفس اللعوب، و السعي في طلب المعرفة و العرفان، و طرد الأجانب. و قد ورد فيها هذا الضمير اثنتي عشرة مرة، أما"المتعة المنغصة" (26) فلم يبعد ثمان مرات.