فهرس الكتاب

الصفحة 15443 من 29568

و عندما عاد القاضي من درسه داعبت روائح الجلود المبخرة حاسة شمه و كان يعتقد أنها مائدة نزلت من السماء .. ! فسأل زوجته: ترى من أين أتاك اللحم؟ و لكنها صدمته و هي تكشف الكسكاس عن «المجلد» الذي كان ينقطع إليه القاضي! الأمر الذي دفع به إلى هجر زوجته، وترك فاس و اتجه إلى مراكش ... تلك قصة مطرفة تناقلتها المجالس و لكنا لم نجد لها مصدرا فيما تتوفر عليه من مراجع، و بذلك يظل تساؤلنا قائما حول الصمت المخيم على مقام القاضي عياض بفاس!

الواقع أن ذلك السكوت هو وحده يترجم عن الجو المتوتر الذي كان يسود علاقات القاضي السابق بالحكم الموحدي، و إلا فبماذا نفسر انكماش الناس عن أبي الفضل و انكماشه هو عنهم ... لقد كان في الإمكان أن نسمع عن صلة له بالإمام عيسى المومناني الذي كان القاضي عياض ينقل عنه ناعتا إياه بفقيه أهل فاس. لعل هذا المؤمناني كان يعيش ظروفا على نحو ظروف أبي الفضل، فقد كان هو الآخر ممن لهم رأي غير رأي السلطة آنذاك .. ! (18)

و لقد كان في الإمكان أن نسمع عياضا يسأل عن ابن جامع البغدادي الذي جلس لتدريس الفقه بغربي جامع القرويين منذ سنة 515 و كان في جملة من أخذ عنه أبو القاسم بن الملجوم الذي استجاز القاضي عياض ...

و كان في الإمكان أن نسمع عن صلة القاضي عياض بأبي الحسن علي بن حرزهم الذي تحدث التاريخ عن (انقباضه هو الآخر عن السلطة) منذ أن اتخذ موقفه الناصر لكتاب احياء العلوم أيام علي بن يوسف بن تاشفين.

الواقع أن فاس كانت جميعها تعيش أياما كئيبة لا تقل كآبة عن الأيام التي يعيشها قاضي سبتة، أو لم نسمع عن فقهاء فاس و شيوخها عام 540 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت