و بعد:
الملاحظ قبل كل شيء أن هناك فراغا في ترجمة الإمام القاضي عياض، و ذلك أن الذين تناولوا مراحل حياة عياض العائلية و العلمية و الأدبية و الوظيفية ... بينوا بإسهاب اصل آبائه الأولين المنحدرين من يحصب إحدى قبائل حمير باليمن و أنهم تنقلوا ما بين القيروان و بسطة و فاس قبل أن يستقر جده الأدنى عمرون بسبتة حيث ولد عياض في عام 476 هـ من والده موسى بن عياض بن عمرون .. و نشأ و تعلم و نال درجة عالية في العلم و الأخذ و الرواية عن شيوخ بلده و هم كثيرون من طبقات متعددة ثم شد الرحلة إلى حواضر الأندلس ليستكمل الرواية و السماع من شيوخها الأكثر علما و الأغرز رواية .. ثم قعد للتدريس في بلده و تأليف كتبه العديدة والمتنوعة التي لا نظير لها في الإسلام ككتابه (مشارق الأنوار) و كتاب (المدارك) و كتاب (الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى) .. الذي لم يبق بيت في المشرق و المغرب إلا و دخله هذا الكتاب .. كل ذلك بينه الكاتبون عن عياض بما يكفي و يشفي كما بينوا وظائف القضاء و الإمامة و الخطابة التي تولاها ببلده و بغرناطة .. إلى غير ذلك مما أفاضوا فيه .. و لكنهم سكتوا .. أو كادوا عن المرحلة الأخيرة من حياته المتعلقة بانتقاله طوعا أو كرها من بلده سبتة إلى مدينة مراكش .. و كل ما قالوه، أو بالأحرى أشاروا إليه، أن الموحدين نكبوه و أزعجوه بالخروج من بلدته إلى عاصمتهم، دون أن يبينوا بوضوح كمؤرخين الأسباب المباشرة و القاضية بذلك الإخراج .. هل كان من جملة أهل بلده الذين انتقدوا و ثاروا ضد عبد المؤمن و حكامه؟ هل كان من زعماء هذه الثورة و الداعين و المناوئين بالفعل و بالسلاح