زال يتدرج في هذا المقام إلى أن أدرك درجة عالية في مقام الإحسان و الصدقات .. و سن طريقة لجمع الأموال وتوزيعها على المحتاجين، قيل أنه لم يسبق إليها .. بناها على أن للفقراء في مال الأغنياء حقا سوى الزكاة كما في الحديث الشريف .. و أن قواعد الإسلام الخمس كلها ترمي إلى تطهير النفس من أدران المادة و تزكيتها في عالم الأرواح بالصدقات .. و قد اختار مراكش لتطبيق نظرياته وتنفيذ تعاليمه فكان يطوف بأسواقها و مجامعها يشرح مذهبه في الإحسان و يدعو إلى تطبيقه في أوسع نطاق .. و إذا جمع مالا فرقه في الحين بعين المكان، و أمام سمع الناس و بصرهم حتى لا يتهم بأنه يبقي لنفسه شيئا منه .. أو يأمر الناس المتبرعين بأن يوزعوا هم أنفسهم ما يجودون به حتى يجدوا لذة الاحسان في نفوسهم و يذوقوا طعم الإنعام على الغير .. و ما زال الناس إلى اليوم في مختلف جهات المغرب يجودون بالصدقة الصباحية المسماة بالعباسية .. يفتتحون بها أعمالهم اليومية .. و يحكى أن الفيلسوف ابن رشد أراد أن يستوثق من مذهب أبي العباس في الإحسان .. و لما وصف له قال: أن مذهب هذا الرجل يقوم على أن الوجود ينفعل بالجود .. و أنه في هذا يتفق مع بعض فلاسفة اليونان .. و هناك دراسات و أبحاث ما زالت تكتب و تنشر حول مذهب أبي العباس المبني على مقتضيات دينية و أسس اجتماعية جديرة بالإتباع و الإحياء و الإقتداء .. ولاسيما أن مذهبه ظل ساري المفعول بعد مماته و عبر القرون و الأجيال .. فهذا ضريحه ما زال ملاذ الضعفاء و خاصة المكفوفين حيث يجدون المأوى و المطعم و الملجأ و الميتم .. بفضل الصدقات التي تنهال على صندوق الضريح .. و يقال أن بعض القضاة أحصى المدخول اليومي للصندوق فوجده يقارب ألف دينار ذهبا في