أولاه و أخراه .. فكتبه الثلاثة: مشارق الأنوار، و المدارك، و الشفا .. أجمع الناس شرقا و غربا على أنها مثل الشموس و الأقمار طلعت في هذه السماء المغربية و أضاءت سائر الأقطار:
مشارق أنوار تبدت بسبتة
و من عجب كون المشارق من المغرب
قولة من ابن الصلاح فيها تمجيد و استغراب .. و لكم فيها أيضا اعتراف و إعجاب .. اعتراف بأن لهذا الجناح المغربي رجالا يرفعون قدره و يخلدون ذكره، و يسمون به إلى سموات العلا في المشارق و المغارب .. و إعجاب بالعلم الفذ المغربي عياض اليحصبي العربي الذي هو من حسنات الدهر، لا على هذا القطر وحده لأن عطاءه ورفده عم ما وراءه و ما بعده .. و لا معنى للاستغراب الساخر .. فالأول كما قيل كم ترك للآخر، و المغرب كم ترك من مفاخر للشرق ومآثر .. فلقد كان عياض كالنحلة بالحاء أو كالنخلة بالخاء، امتص الرحيق من زهرات الشرق فتمثلت في حشاشته علوما مصفاة أخرجها للناس أطيابا مشتهاة و أطباقا منتقاة. و هو كالنخلة أصلها ثابت في الشرق و فروعها باسقة في المغرب تعطي التمر من دون نوى للقاصي و الداني على ما بينهما من بعد و نوى .. و لكل امرئ ما نوى ..
هذا عياض يفضل البعد و النوى و يترك وطنه سبتة على السغب و الطوى و بيته و ما احتوى وما عليه انطوى من دفاتر و محاضر و أقلام و محابر .. إلى مراكش الحمراء التي غارت من سبتة و أغارت عليها و انتزعت منها عالمها الفرد الوارث بالتعصيب و الفرض، و الشيخ لا يبدي حراكا و لا يقوى دراكا فأسلس الانقياد و طاوع الأمر المراد .. و لما حل بمراكش الحمراء وجد الموت الأحمر في انتظاره، و الأقدار الموحدية تتهيأ لدفنه