الخطيب بأن يتخذ مدينة سلا مقرا لسكناه بعيدا عن سلطانه المخلوع، ألم يكن من الأولى به أن يستقر بجنابه، يجنح إليه عند الحاجة. فيقيم الدليل على حسن طويته وصدق إخلاصه ووفائه لملكه ... ؟ لكن ابن الخطيب الذي امتلأ قلبه بحب الدنيا وجمع المال فضل الإقامة بسلا لسبب واحد، هو أن يكون على مقربة من قبر أبي الحسن المريني يجاوره، ويحاوره في المنام ليلا ... ثم ينقل إلى ولده أبي سالم الجالس على العرش ما قد يكون أوصى به الملك الراحل ولده مؤكدا على إخراج مساعدة مادية تُعين ابن الخطيب على تحقيق مبتغاه في شراء الدور واقتناء الجنان، وهي كما ترى أساليب غريبة كان يستعملها ابن الخطيب أيضا كلما سعى إلى توظيف أحد أولاده بالبلاط المريني.
ترى، هل كان ابن الخطيب من محبته للمال وشغفه بحياة النعمة والترف ما جعله يتهافت على الدنيا تهافتا افقده الرزانة والاعتدال في التصرف مع الغير باعتباره شخصية رفيعة ووزيرا سابقا لملك مخلوع؟ ربما كان في موقفه هذا ما يعطي الدليل خاصة للخصوم ـ وما أكثرهم يوم النكبة! ـ على أن ابن الخطيب رغم ما كان يتحلى يه من محاسن خلقية ثابتة، إلا أنه مع ذلك كان رجلا ماديا، أنانيا. لا يحب إلا نفسه، ولا يعمل إلا لمصلحته، ومن ثم راح بعضهم يشيع في الأوساط أن أكبر همه كان منصرفا إلى جمع المال الذي هو ذاهب لا محالة مع ذهاب صاحبه ...
والواقع أن ابن الخطيب وجد في مدينة سلا التي يدعوها بالثغر الشيق الجميل راحة وطمأنينة كان يرغب فيها منذ زمن بعيد وبالأخص يوم كان متحملا لعبء الوزارة الثقيل، فراح يهتم بشراء العقار واكتساب الأملاك على عادته يوم كان بالأندلس وانكب على الكتابة كما أسلفنا.