بحيث يمكن القول بأن السنتين اللتين قضاهما بسلا الجميلة كانتا أخصب حياته الفكرية، وهذا الذي صرفه بالفعل عن فاس، ولو استقر بقاعدة بني مرين. بجوار سلطانه المخلوع لما استطاع أن يتفرغ للكتابة مستخلصا العبرة من تلك الأحداث السياسية التي كان الغرب الإسلامي مسرحا لها في ذلك الوقت، ثم إن هناك دليلا آخر على تمكن هذه المدينة من قبله هو أنه حتى عندما جاءته الإشارة من الغني بالله ـ بعد عودة هذا الأخير إلى ملكه ـ بالالتحاق فورا بحاضرة غرناطة واستئناف عمله داخل القصر الملكي فإنه لم يظهر تحمسا شديدا لمغادرة المدينة على الفور، فلم يصحب معه أهله. بل تركهم بسلا. وفي ذلك دليل على الروابط المتينة التي جمعته بأهلها وخاصة بثلة من علمائها الأجلاء ... ثم إنه لم يلبث وهو بالأندلس أن أعرب عن رغبته الشديدة في العودة إلى سلا التي اشتد تعلقه بها، وبالجملة فإذا كان ابن الخطيب يميل للنزوح إلى المغرب فذلك لأن نفسه الكبيرة كانت تجد في هذا البلد الكريم المضياف من يكيل لها الإجلال والتقدير، ويحقق بالتالي لابن الخطيب ما كان يرغب فيه دائما. حياة غنية في جو ثقافي لا تروعها الأحداث ولا تعكر صفوها القلاقل والأزمات.
وتمضي عجلة الزمان تدور ويظل محمد الغني بالله يرقب الأحداث ... متحينا الفرصة التي ستمكنه ـ ومن يدري؟ ـ من استرداد عرشه من الغاصبين، وذلك حتى إذا عيل صبره، سنحت له تلك الفرصة المنتظرة وذلك على إثر انقلاب أطاح بالسلطان أبي سالم المريني الذي خلفه في الحكم وزيره وصهره عمر ابن أبي عبد الله، فسأل الغني بالله هذا الأخير أن يعينه على استرداد عرشه، ولم يمض بعد ذلك على الغني بالله إلا