ذاته بل كان مقهورا ومقبولا في تلك الظروف التي كانت تعيشها بلاد الأندلس والمغرب، باعتبارهما مملكتين إسلاميتين متجاورتين لا سبيل لإحداهما أن تحيا بمعزل عن الأخرى بحكم اقتناع المسؤولين هنا وهناك بضرورة العمل المستمر الذي تفرضه وحدة المصير، فقد كانت مملكة بني الأحمر بمثابة الجناح الواقي بالنسبة لبلاد المغرب، ومن أجل ذلك كان سلاطين بني مرين يرون أنفسهم مطالبين بإمداد الثغر الشمالي بما هو في حاجة إليه من الجند والعتاد لتمكين المسامين بالأندلس من رد العدو عند الضرورة فلم لا يحل لكبير الوزراء بحضرة غرناطة، والحالة ما ذكر أن يكاتب، ولو في ظل الخفاء ملك المغرب في شؤون تتعلق بمستقبل حياة هاتين المملكتين بعدما أصبحتا مشتركتين في السراء والضراء، متعاونتين دوما على البر والتقوى¨والدليل على أن ابن الخطيب لم يكتب يرى أي طير في مكاتبة السلطان عبد العزيز هو أن هذا الأخير لم يتأخر وقد استجاب لرغبة الوزير عن تعيين سفير له إلى الغني بالله ـ هو أبو يحيى بن أبي مدين ـ يرجو من أخيه الموافقة على ترحيل أسرة ابن الخطيب إلى المغرب، ولو لم يكن الجو السياسي السائد إذ ذاك داخل البلاط الأندلسي صافيا هادئا بحيث يمكن وصفه بالرضى والتعقل لما استطاع ابن الخطيب أن يكاتب ملك المغرب شخصيا، ولما تجرأ أحد في الجزيرة على وصفه بالعذر والخيانة بل ربما رأى الناس في تصرفه هذا سلوكا طبيعيا مناسبا للأعراف السياسية في ذلك الزمان نظرا للثقة والخطوة اللتين كان هذا الفقيه الجليل والكاتب المبرز يتمتع بهما لدى المسؤولين في كلتا المملكتين واعتبارا للخدمات القيمة التي ما فتئ يقدمها لهم بكل نزاهة وإخلاص ...