لكن تنكر المتنكرين كان قد بلغ بالقوم أعلى مستواه فراح كل ناعق استطاع أن يعير ويسفل لا يتورع من أن يتخذ لنفسه في هذه المعركة موقف المواطن الصالح. ويحاول في نفس الوقت أن يلبس الرئيس ابن الخطيب جلباب الضعفاء الخائنين لأمانتهم أما ابن الخطيب فقد كان يعتقد عن حسن نية أن اعتبارات سياسية خاصة هي التي أباحت له أن يتصرف هذا التصرف الذي يبدو لنا غريبا بمغادرته أرض الأندلس فجأة.
والواقع أن المتمتع لحياة هذا الرجل العظيم ومغامراته السياسية لا يلبث أن يرى أن ابن الخطيب كان يتمتع بحس سياسي مرهف هو ذلك الإحساس الدقيق الذي مكنه من أن يتصوره قبل غيره خطورة الموقف الذي يوجد عليه المسلمون بالأندلس وما كان يتطلب ذلك الوضع من حذر ويقظة، ومن ثم فكان لا يفتر عن تنبيه المسلمين هنا وهناك من مغبة ما كانوا عليه من تنافر وتناصر في الوقت الذي كانت جيوش النصارى تعمل على احتلال أراضي المسلمين الواحدة تلو الأخرى طبق عملية منظمة مدروسة ستؤدي لا محالة بالملك فرديناند والملكة إيزابيلا زوجته ـ بعد حين من الزمان ـ إلى إخراج المسلمين من الأندلس نهائيا، وهذه بادرة لم يكن باستطاعة أحد من كبار المسؤولين أن يدلي بها لأنها كانت وليدة ذلك البعد السياسي الخاص الذي يتنبأ بالأحداث الخطيرة قبل وقوعها ثم ثم لا يجيب أن ننسى أن هذا الرجل ظل ردحا من الزمن منفذا لسياسة البلاط الأندلسي مسيطرا على الأحوال السياسية بالأندلس باعتبار ما عرفه من ظروفها واتجاهاتها كأحد أقطابها المسيرين فإذا أضيف إلى ما تقدم أن ابن الخطيب استطاع خلال الفترات التي