و في هذا الجو الذي بدا الجديد يكتسح فيه كل شيء نهض الشباب الذين اطلعوا على الثقافتين العربية و الأجنبية بنوع من المقالة، تخلص من كل محاكاة و تقليد، كمقالة عبد القادر الوزاني في موضوع الاقتصاد السياسي، فهي بمادتها الخصبة و أسلوبها العلمي الذي تفرضه الترجمة لأقوال علماء الاقتصاد الأجانب، قد تحد فيها التعبير عما تضمنته من معاني و أفكار فلم يزد شيئا و لم ينقص عن المواد، و هي فوق ذلك تدل على طواعية اللغة للكاتب الذي استطاع أن يؤدي حقائق الاقتصاد السياسي بهذه السهولة في وقت مبكر جدا من الإطلاع على هذا العلم لا في المغرب فقط بل في العالم العربي أجمع» (21) .
فكيف كان النثر التأليفي في هذه الفترة؟
هل كان هو الآخر متأثرا بالكتابة الاندلسية متمثلا الماضي محتذيا حدوده، متمسكا بروم المحافظة كما لاحظ الأستاذ عبد الله كنون؟ الحقيقة أن هذا قد ينطبق على الكتب و التأليف في العهد الماضي، أما في عصر غريط، فانه قد طرأ تحول فكري و أدبي عظيم شمل كلا من المضمون و الشكل، فتنوعت موضوعات التأليف و مناهجه، إذ لم تعد تلك الموضوعات تقليدية مقتصرة على العلوم القديمة المعروفة من فقه و نحو و بلاغة و تفسير، مع اعتناء بالمتون و شرحها، بل أصبح المؤلف يتفاعل مع مجتمعه، و يتأثر بما يحيط به فكانت موضوعات التأليف جديدة مستوحاة من المحيط و اهتمامات الساعة آنذاك، ككتاب كشف الغمة للككردودي الذي دعا فيه إلى الجهاد، و كتاب الفكر السامي في الفقه الإسلامي لمحمد الحجوي الذي تناول فيه الفقه بطريقة تختلف عن المألوف من شرح و حاشية، و كتاب اللسان المغرب للسليماني الذي هو تاريخ بطريقة خاصة، و كتب