وفي مساق ابن الصيرفي (4) لهذا الموقف:"لما انفصل الناس من مصلى العيد الذي توفى المعتمد في شهره، خف لقبره ملأ من الناس يتوجعون له ويترحمون عليه، وأقبل شاعره ابن عبد الصمد في جملتهم، فوقف على قبره وأنشد .. ثم خر يبكي ويعفر وجهه في تراب قبره، فبكى ذلك الملأ حتى أخلصوا ملابسه، وارتفع نشيجهم وعويلهم".
وإلى هذه العواطف النبيلة من أهل أغمات، نعززها بعاطفة أدبية تأتي من مدينة فاس والمعتمد لا يزال بقيد الحياة، ويتعلق الأمر بجماعة من الحاضرة الإدريسية ساقهم انحرافهم إلى النفي لمدينة أغمات، وكان بينهم شعراء، فرغبوا إلى سجانهم أن يفسح لهم الاتصال بابن عباد، فخلى ما بينه وبينهم حسب ابن خاقان (5) الذي يضيف:"فكان المعتمد - رحمه الله - يتسلى بمجالستهم، ويجد أثر موانستهم، ويستريح إليهم بجواه، ويبوح لهم بسره ونجواه، إلى أن شفع فيهم وانطلقوا من وثاقهم .. فدخلوا عليه مودعين، ومن بثه متوجعين، فقال في مطلع قطعة:"
أما لانسكاب الدمع في الخد راحة لقد آن أن يفنى ويفني به الخد
هبوا دعوة يا آل فاس لمبتل بما منه قد عافاكم الصمد الفرد
ومع مر الزمن، يتطور هذا العطف إلى تقدير للمثقفين من أبناء المعتمد الراحلين معه للمغرب، وهم عبيد الله الرشيد، وعبد الوهاب، وحكم، ويحيى، وقد كانوا يتوفرون على علم وأدب، ويرشحون للوظائف، فعبد الوهاب ولي صلاة الفريضة بجامع مراكش، واستنيب في الخطبة به دهرا (6) وانخرط في خطة التوثيق كل من يحيى بمراكش (7) ، وحكم بفاس. (8)