ومعنى هذا أن الشيخ خليلا اختصر كتاب ابن الحاجب، وابن الحاجب اختصر كتاب البراذعي التونسي، والبراذعي اختصر كتاب النوادر والزيادات، لابن أبي زيد القيواني، صاحب"الرسالة"وهكذا أصبح الفقه المالكي معقد لا يفهم بسهولة.
وبسبب هاته المختصرات، أحال أصحابها أشياء عن مكانها، فتغيرت مسائل عن مواضيعها، وصار ذلك مخلا بالبلاغة، وبالأسلوب العربي الفصيح، وهو فساد في التعليم، وفي إخلال بالتحصيل، وضياع للوقت كبير، بسبب تتبع ألفاظ الاختصار لعويصة للفهم، بتراحم المعاني عليها، وصعوبة استخراج المسائل من بينها، فقصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلمين، فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة وتمكنها (17) .
تنبه السلطان سيدي محمد بن عبد الله، إلى هاته الظاهرة التي أصبح عليها المغرب من الابتعاد عن العمل بكتاب الله العزيز، وسنة رسوله عليه السلام، وعن أمهات الكتب المالكية، من موطأ الإمام مالك صاحب المذهب، ومدونة الفقيه سحنون وما هو على شاكلتها، فأصدر مرسوما في هذا الشأن، بين فيه ما يراه صالحا للتدريس والإفتاء والحكم من كتب مالكية سهلة ومفيدة.
نص في مادة الحديث على تدريس كتب الصحاح، وعلى تدريس المساند السابقة الذكر، وفي الفقه المالكي نص على دراسة كتاب المدونة، وكتاب"البيان والتحصيل"وكتاب"المقدسات"و"النوادر"و"الزيادات"و"الرسالة"وغيرها من أمهات كتب الفقهاء المالكية الأقدمين.