حفظ القرآن، كما أتم حفظ بعض المختارات من الأراجيز التلقينية. ولا يخفى أن دور الكتاب أو» المسيد «في هذه الفترة لم يكن، في المجتمع المغربي، يقتصر على التعليم، بل كان يتضمن مسلسلًا من التنشئة الاجتماعية للأطفال، الذين يفصلون لأول مرة عن العالم النسوي للأمهات والجدات، كما كان يتضمن تعليم مبادئ الأخلاق والمروءة.
وبعد حفظه للقرآن الكريم، تحقق ما يصبو إليه والده حيث أظهر الطفل نبوغًا متميزًا واهتمامًا باللغة العربية وآدابها، وأقبل يدرسها ويحفظ متونها، فقرأ على علامة زيان آنذاك الشيخ أبي زيد عبد الرحمان النتيفي الذي كان صاحب ثقافة واسعة وتكوين جيد، والذي أصبح فيما بعد قاضيًا في الدار البيضاء. وقد أخذ عنه"الأجرومية"و"الألفية"و"المختصر"و"التفسير"، و"جمع الجوامع"و"الشمائل الترمذية"و"مختصر البخاري"لابن أبي جمرة، وانكب على دراسة بعض كتاب التاريخ كـ"الاستقصا"للناصري و"فتوح الشام"للواقدي. وكانت هذه الدراسة التاريخية قد فتحت ذهنه على ما كان يجري من استعدادات في قبائل زيان، لمقاومة التدخل الفرنسي في الدار البيضاء سنة 1907.
ومنذ هذا التاريخ، تطلع إلى مزيد من العلم، وكانت رحلته إلى مكناس حين بعثه والده لبيع دار لهم هناك، مناسبة فتحت أمامه آفاق المستقبل. وقبل عودته إلى زيان 1913، عرج على فاس وزار جامع القرويين. يقول عن هذه الزيارة:» هذه السفرة لفتت نظرنا للحضارة، وغضارة عيشها وإقباس علمها، ونبهت للحياة الجديدة التي ينعم بها أهل الحضر « ( [11] ) ،.