وكان ردّ الفعل أن أخذ العلماء ينظرون إلى فرنسا ليس بأنها قوة تريد استنزاف خيرات البلاد فحسب، بل أيضًا بأنها قوة تريد القضاء على الإسلام، ونشر المسيحية محله. ومن ثم نشأ الخطاب السلفي في محاولة للدفاع عن الحضارة الإسلامية.
وليست المرة الأولى التي تظهر فيها السلفية في المغرب. فقد انتشرت أفكارها في التسعينيات من القرن التاسع عشر على يد عالم مغربي يدعى عبد الله بن إدريس السنوسي، ولكنها لقيت معارضة من قبل بعض العلماء، ولا سيما شيوخ الزوايا وزعماء الطوائف الدينية.
كان من الدعاة الرواد للسلفية في القرويين الشيخ أبو شعيب الدكالي (1878 ـ 1937 م) ، الذي درس في الأزهر بالقاهرة، وتأثر بالفكر الذي نشرته دعوة محمد عبده (1849 ـ 1905 م) . وعلى العكس من دعوة السنوني التي لقيت إعراضًا في الجيل السابق، فإن ظروف مغرب الحماية كانت مواتية لإقبال الطلبة على دروس الدكالي الذي طار صيته لدى الخاص والعام، وعرفه القريب والبعيد بنظراته السلفية بعيدة المدى، حتى إن علماء عصره اغترفوا من علومه، وأقروا بتبحره في فنون الحديث والتفسير ( [13] ) .
ومن أبرز التلاميذ الذين استقطبهم الدكالي، والذين انتصرت على يدهم السلفية في القرويين، محمد بن العربي العلوي ( [14] ) ، الأستاذ الفذ الذي اضطلع بأعباء الرسالة السلفية سواء في أوساط الجامعة أو بأوساط جيل المغاربة الذين اكتسبوا وعيًا سياسيًا في العقد الثاني من القرن العشرين.