فهرس الكتاب

الصفحة 15719 من 29568

صفوفهم، وبعد استيلائه على فاس، وهجماته على نواحيها، نرى أنه يتخلى عن ذلك كله، ويفعل ما فعله قبله مؤسس دولة المرابطين، فيعود إلى الصحراء، ويتجه نحو الشرق، وكأنه أحس بأن عليه أن يوسع نقطة انطلاقه.

إن توجه المولى محمد نحو الشرق - ومفهومه الجغرافي يومئذ واسع - كان اختيارا سياسيا، يستند فيما يبدو إلى جملة أسباب وينطوي على عدة أبعاد:

أولها: البعد الجغرافي: حيث إن شرق المغرب بمفهومه الواسع يؤلف مع الجنوب وحدة جغرافية متماثلة في البيئتين الطبيعية والبشرية، وكان بين الجنوب والشرق يومئذ تواصل كبير عبر المسالك والطرق.

وثانيها: البعد التاريخي، وقارئ تاريخ المغرب يلحظ ولا شك هذا التوجه الشرقي - أي التوجه نحو الشرق - في سياسة دول المغرب المتعاقبة، فقد بلغ الأدارسة إلى تلمسان وما إليها، واستمر هذا التوجه فيما بعد، وهو واضح في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين، ثم تجدد هذا التوجه نحو الشرق عند قيام الدولة السعدية في عهد محمد الشيخ الأول، الذي اتجه نحو الشرق - قبل أن يستكمل بسط حكمه على المغرب كله - فاستولى على تلمسان وما إليها إلى حدود شلف، وتكرر هذا التوجه في هذه المحاولة الجريئة التي قام بها المولى محمد بن الشريف، وهي المحاولة التي بلغت أصداؤها إلى مشارف قسطنطية، وكانت لها عواقب سياسية كبيرة، وأحدثت هزة بل زلزلة في المغرب الشرقي، تصورها أدق تصوير هذه الرسائل المتبادلة بين الوالي التركي عصمان ومولاي محمد بن الشريف، وفيها يشير محمد الأول إلى ميراث المغرب الكبير، ويذكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت