بتمعن في هذه القولى النقدية، أدركنا أن شعر ابن إدريس - كما بدا هنا- مباين لما هو سائد من الأشعار الرائجة في ذلك الوقت، ولكن بما تفرد هذا الشعر عن غيره؟ لقد سماه ابن الحاج بالنفس الغريب والنفس دلالة على الحياة والارتباط الوثيق بالمبدع، وأيضا على طريقة تأليفه وتربيه للألفاظ، ثم هو نابع من أعماقه ومن صميم مشاعره، وليس متكلفا مثقلا بالزخارف اللفظية المصنعة حيث فتور العوطف وضيق الخيال.
لقد صدرت هذه القولة عن عالم متبحر لا يخفي عليه جمال القول الشعري، وتدل على مدى إعجابه بابن إدريس - وهو بعد في بداية طريق الإبداع الشعري، والمخاطب بها قبل كونه سلطانا هو عالم تحرير من جهة أخرى فإن احتفاء الجمهور الحاضر في الدارين، من الطلبة والعلماء بهذه القصيدة وترديدها دون غيرها له دلالته العميقة. ولا غرو إن أنعم السلطان على ابن إدريس بجائزة سنية لها قيمتها المادية في ذلك الوقت وهي مائة «مثقال» بالإضافة إلى قيمتها الرمزية المعنوية، ولا شك أن لها تأثيرا عميقا في نفسية ابن إدريس من ذلك تحفزه على صقل موهبته وتوسيع مداركه، هذه القصيدة والجائزة - معا- أن يشيع ذكره، ويتعرف إلى العديد من الشخصيات العلمية والسياسية، ويوسع اتصالاته ... ويمكن أن نذكر بعض تلك الشخصيات البارزة. فهناك أساتذته الذين صار افتخارهم به عظيما لأنه نتاج غرسهم، أمثال: حمدون ابن الحاج، ومحمد الحبابي، وصديقه ورفيقه في الدراسة أكنسوس الذي صار وزيرا للسلطان مولاي سليمان والمؤرخ السفير الزياني الذي قدمه لمولاي عبد الرحمان بن هاشم لما كان خليفة لعمه مولاي سليمان بفاس فاتخذ ابن إدريس كاتبا له.