لرجل في مثل مركزه- لما تلقيت أذنا صاغية من السلطان وخاصة أن هناك ظروفا وملابسات اكتنفت هذه التهمة، لا يتسع المجال هنا لبيانها، وقد أحسن السلطان صنعا -لحلمه وبعد نظره- إذ لم يأمر بإعدام ابن إدريس فورا، فتريث وأمر الوزير بملازمة داره، ثم حبسه حتى لا تتطور الفتنة إلى مالا تحمد عقباه، وتمت مصادرة أمواله، وكان الحدث المشؤوم عليه سنة 127هـ، ويتبين أنه قضى مدة تسع سنوات في وظيفة الكتابة والوزارة.
لقد شكلت هذه المحنة بالنسبة إلى الوزير الأديب تجربة نفسية قاسية، إذ قلب له جل الناس ظهر المجن، وجفاه القريب فضلا عن البعيد، وخلا إلى تأمل حاله ومراجعة نفسه، وأدرك من أين أتاه الشر بالأذى، وعبر ابن إدريس عن هذه التجربة المريرة بقصائد ومقطعات تنم عما انتابه من أحاسيس ومشاعر ومعاناة قاسية.
تعرض ابن إدريس أثناء هذه المحنة لألوان من التحقير بعضها يهد الجبال ويشيب له الولدان، فوقع كل إساءة مهما صغرت يكون وقعها على نفسه حادا لأنه كان ذا مركز مرموق، ولأنه مرهف الإحساس إذ هو الشاعر الأديب المتفنن، فرب كلمة أشد عليه من وقع الحسام، ويكفي أن نثبت هنا حادثة واحدة لها دلالتها، وهي: أن ابن إدريس كان ذات يوم في مسجد «درب السعود» ، وطال بالناي انتظار الإمام، فلم يجدوا بدا من تقديم ابن إدريس ليأتم بهم، وقام امتثالا لأداء الواجب، فلما هم بالتكبير إذ بالإمام يحضر، وهو في حال من الانفعال، وعمد إلى ابن إدريس وأخرجه من المحراب «وأغلظ له في القول وأغاظه بشديد الملام ونبزه بقوله: إن منكوب السلطان لا يؤتم به. وقد حز ذلك في نفس ابن إدريس