أكبر العلماء في عهده، فكان خير مثال لما كان عليه علماء المغرب قديما حيث إنهم لا يقنعون بشعبة واحدة من شعب العلم، فكان المثقف المغربي آنذاك يعني: عالما و أديبا و شاعرا و كاتبا و ربما موسوعيا، و قلما نجد في تاريخ الأدب المغربي كاتبا أو شاعر لا يلم بشتى لعلوم و لا يجول في مختلف مجلات المعرفة مما أضفى على الأدب المغربي سمة خاصة أخرجته - أو كادت - عن دائرة الفنون الجميلة.
محدث فقيه درس الصحيحين و يدرسهما و درس أصول الفقه و فروعه و ينظر في الخلاف العالي، و في نفس الوقت يقول الشعر و يصدر دواوين الأدب، يندر وجوده إلا في المغرب، ولعل الهمم العالية - بالإضافة إلى عوامل أخرى معروفة - هي التي جعلت أدباء المغرب دوائر معارف لا خطوطا أفقية أو عمودية.
و شاعرنا العالم ضرب الرقم القياسي في هذا الاتجاه، حتى انه كان يتضايق أحيانا من تحليته بلقب شاعر و بالأخص إذا كان المقام يدمج في مفاهيم الشاعر معنى العبث و المجون و خلع العذار.
و قد تأوه ذات يوم بعد ما أرسل تأملاته فرأى - كما قال - مقامه في العلم دون المدى الذي يريد، فقال في فاتحة قصيدة:
تسف عزيماتي و إن فاقت الشعر ... إذا كان أعلى ما أحاوله الشعرا
يرى العنب المسكى أزكى حلاوة ... عريض قفا ما ذق في عمره خمرا
و قبل ذلك حاول أن يودع الشعر لغاية أخرى يتهيأ لها شباب العرب الناهض حينذاك، وهي تحرير الأوطان فقال في خاتمة قصيدة: