ضمن هذا السياق الاسترجاعي، نجد محمد المختار السوسي يوظف الكتابة باعتبارها وسيلة تعبير يتعايش داخلها الأدبي والتاريخي، من ناحية، وباعتبارها أداة لمقاومة النفي والاغتراب والفراغ، من ناحية ثانية. يقول في جزئه الثاني من كتاب الإلغيات:"حمدا للذي آنسني بهذا اليراع، ومد لي من تحت ظلاله الوريفة متعا لولاها لانشقت المرارة في الضلاع، وذابت الكبد من وهج الالتياع، وانصهر الفؤاد من هذه الغربة التي تكتنفني من كل جانب" [2]
وما دور هذه المذكرات، التي تنوعت صيغها وأشكالها، إلا دليل على رغبة الكاتب في تمرير تجربته وتقديم مادته/مواده، بين يدي القارئ، في قالب فني لا يخلو من عبرة وفائدة.
* / الكتابة بين الذاتي والغيري
إن مذكرات السوسي، بهذا المعنى أو ذاك، لتسد فراغا، من بين فراغات، يتمظهر أولا في تحصين الذات الكاتبة من كل إهمال أو نسيان يمكن أن يحول بينها وبين تحقيق التواصل الرمزي مع كيانها ومع الآخر. كما يتمظهر ثانيا في جلب الأنس والمؤانسة حين يغالب التذكر والحنين هذه الذات فيتورط القارئ، بصورة أو بأخرى، في الإنصات إلى تداعياتها والإمعان في انزياحاتها.
فالمختار السوسي، حين يجعل من ذاته موضوعا لهذه الذكريات، تجده يصف أدق المراحل التي مر بها أو مرت به في معاناة النفي، فيسجل، لحظة بلحظة، مرارة ذلك البعد وألم تلك الوحدة، دون أن ينسى إشراك القارئ واستدراجه فيما يريد أن يبثه من خواطر وحقائق. يقول المختار:"كنت أحب أن أكتب في أسباب هذا النفي جزءا خاصا. وبدأته بالفعل"