تنوعت مراسلات محمد المختار السوسي، المتضمنة في أحشاء مذكراته وذكرياته، تبعا لتنوع أقلامها وتعددت بتعدد أصحابها. يقول المختار في تقديمه لكتاب (ذكريات) :"مجموعة فيها رسائل وقصائد من الإخوان تغربت معي، فأردت أن أخلدها جزاء لها حين تؤنسني، كلما أمررت بصري عليها ... إن هذه ما استحقت عندي هذا الاعتناء، إلا لكونها من أوداء يعزون علي، وقد حفظت لي أنفاسهم، فكانت تفوح بها علي كلما راجعتها، وأعدت تلاوتها ... فهي جارة قلبي حين أقرأها فأضمها إلى صدري." [8]
ففي هذا الشاهد، تبدو العلاقة بين المؤلف ونصوصه المستعادة حميمة تتحكم في نسج أبعادها الوجدانية سيولة اللغة وإحكام الصنعة وجمالية التأليف، دونما الحديث عن أفق التداعي في اختراقه لفضاء التداول، تشكيلا وإيقاعا. بل إن بحث المؤلف عن المتعة والمؤانسة ومعهما تخليد الحدث وتكريم الشخص المترجم له طبعا، هو ما يحرك هاجس الكتابة ويتحكم في وضع استراتيجيتها المعتمدة.
هكذا، حين يعرض المختار لنخبة من الأدباء والشعراء والأصحاب الذين جمعته وإياهم صلة من قريب أو من بعيد، تراه يستعيد ذكرياته الماضية معهم بكل تفاصيلها أحيانا، معبرا بذلك عما يعتريه من إحساس عميق كلما أعاد أو استعاد لحظة التذكر تلك، وهو إحساس الأنس والتلذذ بالنص وصاحبه وفاء له واحتفاء بتجربته [9] . يقول:"مددت يدي إلى بعض آثار من رسائل الإخوان قدر لها أن توافيني في منفاي، فصرت أقلبها فأجدني إزاءها، كأنما توصلت بها اليوم، مع أن بعضها مر عنه سنوات، فظلت ساعة طويلة أقرأها وحدي في غرفتي هذه، حيث لا أنيس ولا جليس"