"ولما خمدت نار الفتنة أظهر مولانا أيده الله من العناية ببلاد الأندلس ما لم يكن في حساب أهلها وبعث إلى جبل الفتح ولده الأسعد المبارك الأرشد أبابكر المدعو من السمات السلطانية بالسعيد أسعده الله تعالى، وبعث معه أنجاد الفرسان ووجوه القبائل وكفاة الرجال وأدر عليهم الأرزاق ووسع لهم الإقطاع، وحرر بلادهم من المغارم، وبذل لهم جزيل الإحسان" (77)
والسلطان أبي عنان بهذا الحزم والتدبير لم يتبع نهجا واحدا في سياسة تحصين الثغور الإسلامية من كل تمرد أو اعتداء، ووصل أهلها بالأقوات والأموال والرجال والعتاد، وإنما سن سياسات متنوعة تتماشى والحالة التي عليها الثغر كسياسة فداء الثغور عندما يتعذر تحقيق السبيل الأول لهذا السبب أو ذاك كما فعل مع مدينة طرابلس افريقية:
"فإنها لما استولى العدو عليها ومد يد العدوان إليها ورأى أيده الله أن بعث الجيوش إلى نصرتها لا يتأتى لبعد الأقطار كتب إلى خدامه ببلاد افريقية أن يفدوها بالمال، ففديت بخمسين ألف دينار من الذهب العين" (78)
ونهج سياسة بحرية قاعدتها تجهيز السواحل بالآليات والقطائع والقلاع:
"ومما شاع من أفعال مولانا أيده الله في الجهاد إنشاؤه الأجفان بجميع السواحل واستكثاره من عدد البحر، وهذا في زمان الصلح والمهادنة إعدادا لأيام القرة وأخذا بالحزم في قطع أطماع الكفار، وأكد ذلك بتوجهه ـ أيده الله بنفسه ـ إلى جبل جاناته في العام الفارط، ليباشر قطع الخشب للإنشاء، ويظهر قدر ما له بذلك من الاعتناء، ويتولى بذاته أعمال الجهاد" (79) .