لنلاحظ أن التمكَروتي أسَاء الاِختيار. فالأبيات أعلاه تُخبر بعكس حالتِه، وهو خَدِيمُ الأعتَاب الشّريفة الذي يُلبِّي نِداء الواجِب، لا الرحالة الذي يركب الحماقَةَ ويضربُ في الأرض لاكتساب الفوائدِ الخمس: انفِراج الهمّ، واكتِساب المعيشَة، والنهلِ من العلم والأدب، واصطحاب الأماجِد. فهذه كلها قد تَأتت له وهو في تمكَروت. فهو من أسرة ذاتِ جاهٍ وَمجْد. وهو رأسُ التدريس والفقه والعلم في تلك الأصقَاع. وما صَحِبَ، يَومًا، بالضرورة، إلاّ الأمَاجِد. فماذا سيصنع التمكَروتي بهذه الهِبَة الملكية التي لا تتأتّى للمرء، إن تَأتَّتْ له، إلاّ مرة واحدةً في العُمر؟
هَل سَيؤخذ رحّالتُنا بِنداءِ الآفاق ويستجيب لِناقُوس السَّفر والمغامرة لرؤية ما لا يُرى، وللمْسِ وتذوّق ومُصاحبة ما كان يومًا مُجرَّد طيفٍ في الخيال؟ هل سَيسعَى التمكَروتي إلى الاغتراف من العجيب والصّاعِق الذي يُتيحُه الاِنتقال في الزمان والمكان؟ هل سيجهد نَفْسَهُ ليَجعلنا، نحن قراءَهُ، نصَدّق بسذاجة ما سيقترفُه من كَذب، جاعلًا عُيوننا تجحظ، وأفواهنَا تنفغِر من فرط الدّهشَة؟ أي باختصار: هل سيسعى التمكَروتي إلى جعل ما تُدركه الأعيان يتخذُ له صورة مُتوهمةً في الأذهان؟
أقُول: صُورَة مُتوهّمة، وهنا مربط الفَرس. فالرحلة جِنس أدبي له ألاعيبُه الأسلوبية والتخييلية، وله من المكر ما يجعلُه فَنًّا وأدبًا. والمرئيات بمرورها من الكتابة تتخذ لها أشكالًا وصُورًا مَا كُنّا لِنصدّقَها لولا الكتابةُ نفسُها. فهل أعَدَّ التمكَروتي العُدَّةَ وهيَّأَ للرّحلة ما يلزم من مكر وألاعِيب ليصير ما تُدركُه الأعيان، صاعقًا ومُدهِشًا بعد أن يصير مُتوهّمًا في الأذهان؟