مَرَّةً أخرى: لِنصحب التمكَروتي. يُغادر صاحبُنا تمكَروت ضحوة يوم السبت 18 مارس/ آذار 1589 لتحمله السفينة من تِطوَان بعد أن يستقبله أحمد المنصُور في قَصرهِ بفاس. لا يذكرُ التمكَروتي شيئًا ولو يسيرًا عن هذا المسَار سِوى أنه مَرَّ من سجلماسة في طريقه إلى فاس. كما أنه يسكت، تمامًا عن المدة التي قَضَّاها في تِطوَان وهو ينتظر قدومَ السفينة من ميناء الجزائر، وهي مُدة ليست بالقليلة، إذ دَامت أشهرًا ثلاثة. فهل كان التمكَروتي يستعجِل ركُوبَ البحر وهو البدوي الذي لم ير البحر قَطُّ، فكيف وهو الآن يتأهَّب لركُوبه؟
استعجال كهذا يجعل القارِئ يضرب الأخماسَ في الأسدَاس، ويذهَب به التَّخمِينُ بعيدًا ليظُنَّ أن التمكَروتي وفّر كُلّ طاقتِه التخييلية للبحر وأهواله، ووفّر جُهدًا لغويًا كان سيذهب هباءً وتذرُوهُ الرياح في البرّ المغربي.
تصل السفينة بعد طول انتِظارٍ وتبدأ الرّحلةُ فتتوالى الموانئ والمراسِي، ثم شيئًا فشيئًا، نَتوغلُ في الشرق. والشرق، هُنا، ليس مجرّد اتجاه وَوِجهَة. فهو المعَشش في الذاكرة الفردية والجَمعية باعتباره مصدَر الحقائق وموطن الحيرة. فالشمس من هناك تُشرق. وَالدّين من هناكَ قَدِمَ. والأدبُ وما جاورَهُ من هناك هَلتْ بشائرهُ. والغريبُ والعَجيبُ والمذهِل ما كان لنا لِنَسمعَ به أو نتخيله لولاَ هذا الشرق الغامِض حَدَّ الوُضُوح، الوَاضِح حَدَّ الغمُوض.
نَتوغل في الشرق، إذن، ونحن في لهفةٍ إلى المختلف. فقد انتقل بنا الرّحالة الآن من نَقيضٍ إلى نَقِيضٍ: من المغرب إلى المشرق. من البرّ إلى البحر. من مُخالطة الأهل إلى مُخالطةِ الأغيارْ. كلّ هذا مَدعَاة لجعل أُفقِ