انتظار القارئ يَتسع وتأخذه اللهفَة. لكنّ هذا القارئ لن ينتظِرَهُ عند أوّلِ مُنعرَجٍ إلاّ الخيبَة. فالتمكَروتي كان من الأنانية حتّى إنه أضرَبَ تمامًا عن تلبية أماني أفقِ الاِنتظار ذَاكَ. وما استعجاله ركُوبَ البحر إلاّ من فرطِ الشوق إلى هذا البحر ليس إلاَّ. شوق لاستدراك شيء فَات. ولهفَة إلى مُصافحَة زُرقةٍ طالما داعبتِ الخيال.
هكذا تتشابه الأماكن. ننتقِل من مكان إلى آخر، فَنُخبرُ أنّنا انتقلنا إليه ... وهكذا من مكانٍ إلى مكانٍ: تَرغَا. بادس. فوركَـ. هُنَين. وهران، مستغانم، شرشال، الجزائر، دَلّسْ، بجاية، جيجل، مَرسَى القصَب، القل، بُونَة، بنزرت، تونس، بجاية، وعشرات الأمكنة الأخرى. يَدخل التمكَروتي مَدينة من المدن فيزور أولياءهَا، ويذكر مساجِدَها، ويدعو للنصارى إن كانت تحت إمْرتهِم بالدمار والهلاك. فسبتَة ومليلية- أعادَهما الله للإسلاَم- مَدينَتان فيهما النّصارَى اليَوم،، ثم يذكر مُؤلفات بعض أعلام تلك المدينة إن كان بها أعلام.
لاَبدّ أن نُشير هنا إلى أن التمكَروتي يُنِيبُ عنه في كلّ ذلك ابن عبد ربه آنًا، وخَالِدًا البلوي آنًا، والبكري آنًا، وابن بطوطة آنًا. تلك مسألة مُحيّرة في هذه الرّحلة، أعني كثرةَ المنقولات. وهذا ما جعل مُترجمها إلى الفرنسية هنري دُوكَاستري يضرب صفحًا عن كلّ الصَّفحات التي ليست من صُلب إبداعِ علي بن محمد التمكَروتي مُشيرًا في المقدمة إلى كَون صَنيع التمكَروتي ذَاك سُبَّةً وضعفًا ما كان له الإقدامُ عليه. والحق أن الأخذ ذاكَ ليس بالمُشِين لَوْلاَ أن الرَّحالةَ أخذ فأطال حتّى إننا أحيانًا نجد أنفُسنا أمام صفحاتٍ وصفَحاتٍ لِخالِد البلوي.