كان باستطاعة التمكَروتي اللجوء إلى ما يُسَمِّيه علماء السّرديات بالخطاب المسرُود، وأن يَرحَم رحلته من وطأة الخِطاب المنقُول.
نعُود لنستأنف المسير مع رحالتنا فننتقل من مكانٍ إلى آخر، ولا ينبثق جَديد. كأنَّ الأمكنَة تُخفِي أعَاجِيبهَا، أو كأن ريحًا هَبَّت، فأحالت الأمكنة، في تَعدّدِهَا، مكانًا واحِدًا. وما قلناه عن البرّ، نقوله عن البَحر. فالبحر من تطوَان حتّى القسطنطينية هُوَ هُوَ. وما يحدُثُ لِلسَّفينَة ولأهلها هو هو رغم طُول مُدّة الرحلة، واختلاف أحوال البحر بين الليل والنهار، وبين منطقة وأخرى. شيء واحِد يَحدُثُ: هيَجَان البحرِ واضطرابُه، ولهوُ الموج بالسفينَة ذات اليَمين وذاتَ الشِّمال، وفزع أهل السفينَة وصياحهُم. ثم سُرعَان ما تَهُبُّ الألطافُ الإلهية فتستَوي السَّفينةُ ويهدأ بال التمكَروتي. هنا نراه يأتي بآية قرآنية أو كلام مأثُور، أو أبياتٍ شِعرية. هكذا تُسِيء الذاكرة الحافِظة إلى جِنس الرحلة، حيث تَقِف حائِلًا بل حَاجِبًا لِلغَريب والمدهش والصَّاعِق. فبدل أن نرحَل في الجغرافيا مستشعرين الاختلاَفَ والغرابَة، نَرحل في ذِهن علي بن محمد التمكَروتي كأنّ رحّالتَنا ما هَمّهُ من الأمر إلاَّ استعراض ذائقتِه الأدبية والإخبار عن قوة ذاكرتِه.
رحلة التمكَروتي رحلة مرآوية، يتقابل فيها السَّفَر واللغَة. اللغة مرآةُ السَّفَر. والسَّفَر مرآةُ اللغة. لم يَسْعَ التمكَروتي إلى وضع ذاته في صُلب رحلته، ولا إلى جَعل هذه الذات المرآةَ التي تنعكس عليها الجغرافيا والتمظهُرات الثقافية العامَّة من عُمرانٍ وعادَاتٍ. ولا سعَى التمكَروتي، وهذا هو المدهِش، في هذه الرّحلة، إلى اكتساب بطولة أو إعلاء شأنِ الذَّاتِ المغامِرَة. بل عكسَ كل ذلك، سعى إلى تثبيت صُورَة الفقيه الملفّع