بعباءة الأدَب، والأديب الملفّع بعباءة الفقيه. وفي اعتقادنا أنه نَجح في ذلك.
في مظنُون التمكَروتي أنه لا يمكن فَهمُ الآنِي والآتِي إلاّ بالاتكاءِ على الماضِي. الماضِي هُنا هو ذاكرة التمكَروتي المحشوَّة بالشِّعرِ والحكمة والبلاغة المنمطة المسكوكة التي لا يَبذُل صاحبُهَا أي جهدٍ في تطويعها. كلّ دَيْدنه ومبتغاه أن يكشف عن عُلوّ كَعْبِهِ في الاستِظهار. فلا هو سعَى إلى ذِكر الأرض وشكلها كما فَعل المسعُودي، ولا إلى ذكر أخلاق البشر كما فعل الدمشقي، ولا إلى ذكر الأشجار والأنهار والأقاليم كما فعل ابن خلدون. والأغربُ من كلّ هذا أنه لم ير من عجائب البحر إلاّ الميدُ واضطراب السَّفينة بعد أن تصفَعُها أمواج كالجِبال.
لم ير التمكَروتي سمكةً لها وجْهٌ آدمِي بلحية بيضاء، ولا حيوانًا كهيئَة الرَّجُلِ والمرأة، ولا رأى سمكةً كُتب على ظهرها بالعربية لاَ إله إلاّ الله ومكتُوبٌ بين أُذُنَيها مِن خَلفٍ مُحمد رسول الله كما رأى الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد أبو طالب الأنصاري الصُّوفي الدمشقي المعروف بشيخ الرّبوَة صَاحِب الرحلة المذهلة"نُخبة الدّهر في عجائب البرّ والبحْرِ". ولا رأى التمكَروتي وقد أقام بالقسطنطينية ما أقام امرأةً ولا ذَاقَ طعامًا، أو تَجوَّل في سُوقْ أو عَاينَ من العَادَاتِ ما تقشعرُّ له الأبدان، أو تطرب له الأنفُس. فكيفَ، إذَن، ننتظِر منه اقترافَ الصّاعِق والعجيبِ والمذْهِل إلى درجة الإخبار عن امرأةٍ كشفت عَن فَرجهَا وحَكّتهُ والناسُ جُلوسْ كما في رحلة ابن فضلاَن.
قد يَقول قائِلٌ إن الباعثَ على الجرأةِ عند ابن فضلاَن وغيره هو تَمادِيهِ في إبرَاز ما يُوجَدُ عليه قَوم لم يَدخلُوا الإسلاَم بَعد، وأن التمكَروتي كانَ