فهرس الكتاب

الصفحة 17588 من 29568

مُكبَّلًا بتشابه الاعتِقاد ووَاحِديتهِ، بله تشابه العادَات بين المنطلق والموئِل. فإذا كان التمكَروتي قد ارتادَ المجهول الجغرافي فإنَّ هذا الأخير لا يخرج، في تمظهُراته العامّة، عن الدائرة الثقافية العَامَّة التي قَدِمَ منها الرحالة.

قد يكُون لهذا الكلام بعضُ مِصداقية ولكنه غيرُ كافٍ لإيجادِ تَبريرٍ لغياب العَجيب والفاتِن في"النفحَة المسكية". لاَ تفاضُلَ بل لا تَمييزَ في هذه الرّحلة بين زمن القصّة وزمن الحِكَايَة. يَنْقُلُ التمكَروتي مشاهدَاتِه، على قلتها، من العَينِي إلى المكتُوب دُونَ أن تشعُر أنَّها مَرَّت من مُختبر السَّرد لِتَصيرَ حِكايةً. فهل كان القارئ الضِّمني حاضرًا في ذهن التمكَروتي؟ هل استجاب لنداء الكِتابة أو لِقانُون التّعجيب كما يُحلو لمحمَّد لطفي اليُوسفِي أن يَقُولْ، ليرضخ لإكْراهَاتِ اللغة التي من شروطِها مُقاسَمَةُ الرحالة مُتعَةَ الضّرب في الأرض واختِراق الآفَاقْ.

وجَد التمكَروتي نفسَه مُوَزّعًا بين إكْراهَين": إكراه الحكي وإكراه اللغة، أي إكراه تقديم الدَّليل على عُلُو كَعبه في البلاغة والتّنمِيق. فَبدل أن يقودكَ الرحالةُ أفُقيًا وعمُوديًا يَزُجُّ بِكَ في ذاكرته لتغرقَ في الطباق والمقابلة والقرينَة والمجَاز العقلي والاستغراق والإطناب المطنبْ الذي يُكرّرُ نفسه ويتشابَهُ حَدَّ الملل، لتَجِد نفسك، في الأخير، تنتقِل من معلومٍ إلى معلومٍ."

تَتقدَّمُ في"النفحة المسكية"فتشعرُ وكأنّ التمكَروتي قد طَوَّحَ بِعَصَا التسيار واستسلم لِلغَة تقوده وتلهُو به ذاتَ اليمين وذات الشمال وهو في غفلة عن الوصفِ والطَّريق. يقمعُ التمكَروتي رغبةَ الوصفِ والسَّرْدِ في الإعلان عن نفسيهما بالإرتماء في أحضان الشعر والكلام المأثور والحديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت