النّبوي كأنه يُسافر في فيافي ذاكرته الحافِظَة لا في الأرضِ الغريبَة التي تَطأهَا قدماه، فتكَبل البلاغَةُ رِجْل الحكي وتَحدُّ مِن جَريان المذهل والممتِع والصَّاعق.
يستطيع قارئ هذه الرحلة أن يقول إن التمكَروتي إنّما تَوَهَّم هذه السَّفرة ثم عمد إلى ما بين يديه من كُتُبٍ فأخذَ منها واغترف لولاَ بعضُ اللقطات القليلة، كوصفه لمدينة القسطنطينية، أو لمراسِيم الاِستقبال في القَصرِ. وحتّى عند هذه اللقطات نرى قَلم التمكَروتي يَحرَنُ إذ يُشيحُ ببصره عن المكامِن التي يُمكنُ أن يقدحَ زنَادَها فينبعث منها المدهش والغريب. لِنفكر، تمثيلًا لاَ حَصْرًا، في منظَر غِلمان القصر في القسطنطينية أو في واقعَةِ شِرَاءِ عِلجَة واستقدامِها لتقديمِهَا هَدية للسطان أحمد المنصُور.
مُحيّرٌ هذا الاِنشداد إلى الذاكرة وإلى الماضي في"النفحة المسكية في السفارة التركية"، فالتمكَروتي طوَال السَّفر ظلّ فؤادُه مشدودًا إلى مسقِط رأسِه تمكَروت، بَدل الاِنغمار في خبايا ومفاجَآت الزمان والمكان. كلّ شيء يُذكرهُ ببلدتِه. فالسفينَة، وهي تَتقاذفها الأموَاج، أشبه ما تكون بِبَهِيمَةٍ تَتمرّغ في التّراب. أمّا الموج فَلاَ يُشبَّهُ إلاَّ بالجَبل. أمّا الريحُ القوية المتلاَعبَة بِالْموْج، فهي الريحُ ذاتُها التي تَهزُّ أغصَانَ الشَّجر. والأشدّ من كلّ هذا أنّ التمكَروتي طوَال رحلته ظَلَّ يتقاذفَه الحنينُ إلى وَالدتِه التي، ويا للمفارقَة، لن يَسعَد بِلقيَاهَا ثانيةً إذ سَيتلقَّى نبأ رَحِيلها وهو يَهُمُّ بمغادَرَة مراكش إلى تمكَروتْ.