أخرى من عجائب هذا الرحالة الغريب الأطوار، ورحلته الطريفة. وربما جوَّزتُ لنفسي الادعاء هنا أن من شأن هذه المقاربة الجديدة تقديم كشوفات في جغرافية النص وطبقاته اللاشعورية، وفي الآن نفسه الغوص عميقا في بعض أوجه أسرار"أدبيته"ومكر خطابه. ولا أبالغ إذا قلت إن تحليل بلاغة المحو في رحلة ابن بطوطة، من شأنها العودة بنا إلى طرح سؤال الكتابة والجرأة على تجديد سؤال الكاتب في الثقافة العربية الإسلامية. هل نكتب النصوص أم تكتبنا؟ هل نمحوها لتنكتب (كالطرس تماما) أم تمحونا لتنكتب معلنة عن سبق إصرار وفاة المؤلف الفرد المتفرد (شعوريا ولا شعوريا) لتدخل بنا في دهاليز التعدد واللاشعور الجمعي؟ من هنا يحق لنا أن نتساءل: هل رحلة ابن بطوطة رحلة كتابة أم رحلة محو؟ وهل ينهض خطابها التخييلي على كاهل اللافظ، أم يصير إلى عهدة التَّلَفظ؟ وكيف يمكن معالجة ظاهرة ابن بطوطة؟
إلماعات بيوغرافية للمحو
أول المؤشرات البيوغرافية للمحو في رحلة ابن بطوطة يمكن أن نفيدها من كون النص:
1 -لم يذكر شيئا عن زواجه بطنجة.
2 -كان الغرض هو السفر إلى الحج فانصرف عنه . ولنا هنا أن نتساءل عن دوافع هذه الرحلة الطويلة، التي يبقى الحج دافعها الأول، لكن ليس الأخير.