عنان المريني مهمة تقييد ما يرويه عليه الشيخ الرحالة جوَّز لنفسه ـ مراعاةً لأفق انتظار سلطانه وولي نعمته ـ تنقيح الكلام وتهذيبه ونقل معاني ابن بطوطة بمتخيَّر ألفاظه هو باعتباره الكاتب الرسمي للبلاط. وهل يمكن حقا فصل المعنى عن اللفظ؟ أم هي ثنائية اللفظ والمعنى تعود لتلبس لبوس التجميل خدمة لأغراض إيديولوجية بحتة؟
يقول ابن جزي واصفا القصد من العملية:"متوخيا تنقيح الكلام وتهذيبه ... ونقلتُ معاني كلام الشيخ أبي عبد الله بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها".
تدخل رحلة ابن بطوطة، إذن، ضمن الخطاب التخييلي حيث يترك"المتكلم" (مؤلف الأقاويل الرحلية أي المخاطِب أو مؤلف الكلام:"التقييد") المكان إلى لافظ ( enonciateur) له وجود قوي ـ لكنه ملتبس ـ داخل الخطاب ( intra discursive) ، فنصبح في النص التحفة (تحفة النظار) مع تلفظ بّوليفوني، أي مع خطاب كاتم للصوت الأول (صوت ابن بطوطة ـ باعتباره عامل الفعل المزعوم، وضامن الحقيقة ـ) ليُترَك العنان ليَراع كاتب أبي عنان: (ابن جزي) . وبهذا يمَّحي المتكلم ـ لأسباب عدة ـ أمام اللافظ ويتركه يتكلم ـ أصالة عن نفسه ووعيه ولا وعيه ـ مجمِّلا ومجْمِلا ومفصلا. بمعنى أن الأنا الأصلي الحقيقي يمَّحي ويتوارى خلف أنا اللافظ الذي يقوم بتجميل الخطاب الأصلي ويتفنن في الصياغة والإنشاء. ويستتبع هذا الفصل بين المخاطِب واللافظ فصل مشاكِل بين الدورين العاملين للمرسل إليه (أو الملفوظ له) والمخاطَب.