أما مسألة التلخيص ـ تلخيص التقييد ـ فواردة على لسان الملخِّص ابن جزي الذي قال:"انتهى ما لخصته من تقييد الشيخ أبي عبد الله محمد ابن بطوطة".
ولا شك أن الإشارة إلى التلخيص، هي التي حفزت البعض على التنقيب عن الأصل ، وجعلت البعض الآخر يتكهَّن بالقيمة الوثائقية للرواية الأصلية للرحلة غير المأسوف على ضياعها . هل يتعلق الأمر بوهم الأصل والكامل الذي هو من ثوابت الثقافة العربية الإسلامية؟ أم أننا مع مكر الكتابة وسلطة اللاشعور الجمعي ومواربة الذاكرة ومقاومة النسيان ومراوغة الاكتمال ؟
استعاريا عانت الرحلة من الغصْب: (غصب لصوص الهند لمقيدات ابن بطوطة) ومن الاغتصاب أيضا: (استهلاك السلطان المريني للصيغة الشفوية العذراء للرحلة) ؛ فـ"الصيغة العذراء لحكاية رحلات ابن بطوطة هي التي استهلكها الأمير، وبعد ذلك أمر"بتقييدها"حتى تتاح وتباح للجميع، لجميع النظار".
للرواية الشفوية أجنحة. هل كان ابن بطوطة يرغب في أن يبقى نصه محلقا في سماء الرواية الشفوية، وهو الذي سبق أن روى أجزاء منه ليؤنس الأمراء والسلاطين والكتاب ومنهم ابن جزي في الأندلس؟ ما هو ثمن العبور من الصيغة الأصلية غير العالِمة: (الشفوية غير المقيدة) إلى الصيغة العالِمة (المكتوبة أو المقيدة) ؟
بمغادرتها للتقليد الشفوي"بقيت في حيز قراءتها في كتاب بين دفتين، ولم تعد إلى أصلها الشفوي على ألسنة القصاصين في حلقات الاستماع في"