فهرس الكتاب

الصفحة 17596 من 29568

هل كان هذا التأخير عن المثول بين يدي سلطان العصر مدعاة للمحو الذي تعرض له الرحالة حيا وميتا؟ ما هو مؤكد لدي هو أن سلطة المثول فرضت إنتاج ـ أو على الأصح إعادة إنتاج ـ تمثلات وصور أخرى عن الذات والآخر، دغدغةً لمشاعر التفوق لدى المتلقي الأول والآمر بصرف المنتوج وفق عُمْلة محلية يرتضيها لنفسه. وهذا المحو المدسوس للصورة الثقافية الغيرية والتصدي لمحو الذاكرة، الشبيه بعملية غسل الدماغ، جعل ابن جزي يدرك خطورة دوره في تهذيب جموح ابن بطوطة وترويض افتتانه بالآخر، فيقوم بهذا الدور التشذيبي أحسن قيام لتلميع صورة الذات، كما يمكن أن نفهم من هذا الامتداح المبطَّن للصمت والسكون والنسيان:"طوى المشارق إلى مطلع بدرها بالمغرب، وآثرها على الأقطار إيثار التِّبر على التُّرب، بعد طول اختبار البلاد والخلق، ورغبة في اللحاق بالطائفة التي لا تزال على الحق، فغمره من إحسانها الجزيل ... فنسي ما ألفه من جولان البلاد". وهذا النسيان المنشود من قبل الخطاب الرسمي، ستقام عليه الحجة بإطلاق سراح لسان ابن بطوطة نفسه بإحسان الإقامة والسكون ومننهما السابغة، ليجعلهما مسك الختام وحسن الخاتمة:"وصلت إلى حضرة فاس، حضرة مولانا أمير المؤمنين أيده الله، فقبلت يده الكريمة وتيمنت بمشاهدة وجهه المبارك، أقمت في كنف إحسانه وسابغ امتنانه".

وفي هذا السياق يمكن فهم الإسناد الرسمي لنقل الرحلة من طابعها الشفوي إلى المكتوب:"إن تعاقدا من هذا النوع، يعكس ثوابت معرفية تسيج سلطة التلقي في التراث القديم. فالمعرفة بالعوالم المجهولة تساهم في الكشف عن خفايا العالم المعلوم، لدى المتلقي، تلهب فيه رغبة البحث"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت