بطوطة، تُرى ماذا فعل بعد ذلك؟ ... إن الخمول الذي اكتنف ابن بطوطة خلال السنوات الأخيرة من حياته يقود إلى الاعتقاد بأن السكون انتصر في النهاية على الحركة، وأن الخفاء تغلب على الظهور. هل يعني هذا أنه، تحقيقا لرغبة قديمة، انكمش على نفسه في زاوية من الزوايا أو رباط من الرباطات، وخدم أحد الشيوخ واستمر على هذه الحال إلى أن وافته المنية؟" لم يجد عبد الفتاح كيليطو لملء ثقوب السيرة إلا كُبّة الحكي .. الحكي المثال أو النظير طبْعا، فانبرى إلى رتق شهادة الترجمة بمشاهدة المترجم له. تتجسد الأولى في ما أورده ابن حجر في (الدرر الكامنة) ، حينما ذكر أن ابن بطوطة توفي وهو متولٍّ للقضاء في مدينة مغمورة من مدن المغرب. وتتجسد الثانية في أن هذه المدينة المغمورة المسماة: تامسنا ، إنما هي مكان بعيد عن الحواضر ، شبيه بتلك الجزيرة التي مر بها يوما وشاهد فيها الرجل الحائك يعيش على الكفاف والقناعة . وتلك قصة أخرى تحكي ـ حسب تأويل كيليطو دائما ـ قصة ابن بطوطة في آخر حياته. وكأننا بهذا الأخير يستعير لسان حال الآخرين ليعبر عن لسان حاله في الآل القلَب والمآل اللازم لحسن الخاتمة. هل هذه كرامة أخرى من كرامات ابن بطوطة، أم أن الأمر مجرد مكر خطاب مبطَّن، يحكي بضمير المتكلم، ليرتهن ثقوب الشذرات السيرية الذاتية بسيرة غيرية صالحة لزمان ابن بطوطة ومكانه؟"
نكاية التاريخ ومحو المعاصرة