محو الأهلية الثقافية علامة أخرى من علامات ثقافة المحو التي جعلت ابن بطوطة لا يحظى بالمكانة اللائقة به بين معاصريه وغيرهم:"وإن الذين يسمحون لأنفسهم بتحجيم ابن بطوطة والادعاء بأنه كان محدود الثقافة كانوا بعيدين عن الحقيقة". وهذا الرد الموجز أشفعه التازي برد مستفيض على هذا الادعاء الذي لا أساس له من الصحة في نظره.
ولقد حلّى أبو الوليد ابن الأحمر مؤرخ دولة بني مرين ابن بطوطة وهو شيخه بقوله:"شيخنا الفقيه القاضي الخطيب الحاج الكثير التجوال بالمشرق والمغرب وجميع البلاد، محمد بن بطوطة الطنجي العارف بالتاريخ".
لقد ضمَّه أبو عنان إلى مجلسه العلمي بفاس. فمستواه العلمي جيد، يتمتع بقوة الذكاء وسرعة البديهة، اختير للقضاء والإمامة والسفارة، حرص على حضور مجالس الدرس والتحصيل، لاقى العلماء والأولياء، دوَّن ما نُقش على الجدران والقبور . وإذا خولت الاعتبارات السالف ذكرها للبعض بأن يزعم أن"صاحب الرحلة أقدر على كتابة رحلته بنفسه لتوفره على مؤهلات ومقومات تجعل التدوين أمرا هينا لديه"، فقد ذهب غيره إلى أن الرواية الأصلية للرحلة التي أنتجها ابن بطوطة نفسه، لا تعدو أن تكون ذات قيمة وثائقية لا غير"فليس لابن بطوطة تكوين أدبي يؤهله للكتابة العالِمة، لهذا كان من اللازم أن يستعين بابن جزي لتدوين رحلته".
محنة ابن بطوطة مع المستشرقين، تنويعات جديدة للمحو