الشخصية ذات البُعد الواحد الأوحد)، لاجتراح صورة ذاتٍ تنشب في الدنيا وترجع إليها تحت إلحاح السفر، لا ترعوي عن الترحال، ولا تقبل بالإقامة وضعا، ولا بسياحة الصوفية نهجا. وإليك هذا المحكي الصغير الذي يؤثث به رحلته من أجل سرد الإقلاع عن نزوة التحول، والعودة إلى الوضع الطبيعي أو الحالة الأولية التي تناسب شخصية ابن بطوطة ومقاصد رحلته. وفي هذا الميكرو ـ محكي يتحدث عن أحد علماء وصلحاء"دهلي"قائلا:
"ومنهم الإمام الصالح العابد الورع الخاشع فريد دهره ووحيد عصره، كمال الدين عبد الله الغاري ... نسبة إلى غار كان يسكنه خارج دهلي ..."
كرامة له:
كان لي غلام فأبق مني، وألفيته بيد رجل من الترك، فذهبت إلى انتزاعه من يده، فقال لي الشيخ: إن هذا الغلام لا يصلح لك فلا تأخذه، وكان التركي راغبا في المصالحة فصالحته بمائة دينار أخذتها منه وتركته له، فلما كان بعد ستة أشهر قتل سيده .... ولما شاهدت لهذا الشيخ هذه الكرامة، انقطعتُ إليه ولازمته، وتركت الدنيا ووهبت جميع ما عندي للفقراء والمساكين وأقمت عنده مدة فكنت أراه يواصل عشرة أيام وعشرين يوما، ويقوم أكثر الليل، حتى بعث عني السلطان ونشِبتُ في الدنيا ثانية، والله تعالى يختم بالخير، وسأذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى وبكيفية رجوعي إلى الدنيا". هل الأمر يتعلق بمقاومة الفناء والموت الرمزي من أجل استعادة حياة الرحلة والرحالة على حد سواء؟ إن ابن بطوطة لا يقبل بهذا الموت الرمزي سواء أكان زهدا في الدنيا وإعراضا عنها وعن غواية الترحال، أم كان إكراها على وظيفة القضاء "