البحر. ولما وصلت إلى السلطان زاد في إكرامي على ما كنت أعهده، وقال لي: إنما بعثت إليك لتتوجه عني رسولا إلى ملك الصين فإني أعلم حبك في الأسفار والجولان"."
وتعود قصة السلب مرة أخرى لتزكي هذا المحو الذي يصر عليه ابن بطوطة، ليبقى عاريا إلا من صفة رحالة:"ولما وصلنا إلى الجزيرة الصغرى بين هِنّور وفاكَنور خرج علينا الكفار في اثني عشر مركبا حربية ... فأخذوا جميع ما عندي مما كنت أدَّخره للشدائد وأخذوا الجواهر واليواقيت التي أعطانيها ملك سيلان، وأخذوا ثيابي والزوادات التي كانت عندي مما أعطانيه الصالحون والأولياء ولم يتركوا لي سترا خلا السراويل". وتبقى المرابطة والاعتكاف والانقطاع مجرد أمانٍ وحالات عابرة آيلة للتحول كما جاء على لسانه بجبل الفتح بالأندلس:"وددتُ أن لو كنت ممن رابط به إلى نهاية العمر". لكنها تبقى مجرد أمنية ـ كمثيلات لها كثيرات في نص الرحلة ـ لا قِبل لها بمقاومة رغبته الدفينة في التجوال اللامحدود ومقاومة السكون بالحركة، والاستقرار بالانتقال، والخفاء بالظهور، وهما نزعتان تتجاذبانه، ولكن الحركة أقوى وأشد، جعلته يتحول دائما من"الإقامة في خدمة الأولياء، إلى الإقامة في خدمة الولاة".
ويبقى لبس الخرقة أو لباس الصوفية مجرد تِعلَّة لمحو الكرامة إكراما للسفر، كما جاء في الميكرو ـ محكي الموالي الذي يتحدث فيه عن الشيخ جلال الدين، وهو من كبار الأولياء، قال للفقراء بالغار الذي يتعبد به:"هذه الفرجية يطلبها المغربي، ويأخذها منه سلطان كافر ويعطيها لأخينا برهان الدين الصّاغرجي، وهي له وبرسمه كانت، فلما أخبرني الفقراء"