وإذا كانت عين الرحالة يقظة وهي تسجل كل هذه الطقوس والعادات وترصد تلك الأعراف والمعتقدات، فإن هذه العين لم تكن عن كل عيب كليلة، فقد حرص أبو سالم العياشي، الفقيه العالم، على رد كثير من المعتقدات الخاطئة، وتسفيه عدد من الأفكار الباطلة، ودحض جملة من المزاعم الضالة، وصد الأفكار الجانحة نحو أطراف الغلو والشذوذ، سواء ما تعلق منها بالديني أو الاجتماعي أو الاقتصادي، ولعل هذا ما يعطي لرحلة العياشي خصوصية ويكسبها نوعا من التميز، باعتبارها رحلة موسوعية يجد كل باحث فيها ضالته ويستقي منها بسخاء مادته.
2 -1 أفكار ومعتقدات دينية
كان لمسار الرحلة العياشية نحو الديار المقدسة دور هام في تحديد ورسم طبيعة الأفكار التي وقف عندها أبو سالم العياشي في طريقه نحو المشرق، وتوجيه عين الرحالة إلى التركيز على أفكار ومعتقدات تتناغم وشخصية الرحالة ذاته، باعتباره فقيها ورعا وعالما مشاركا، فقد حرص العياشي على تدوين كل ما صادفه في طريقه من ضلالات وبدع وممارسات لا تمت إلى الدين الإسلامي الحنيف بصلة، فكان أهم ما لفت نظره"هو البدع التي نخرت كيان المجتمع الإسلامي، شرقا وغربا، فعبر عن رأيه فيها بصراحة، ونقد بكل جرأة العلماء والفقهاء على سكوتهم على تفشي الضلالات، وهو في رحلته كلما سنحت له الفرصة يقدم لنا نماذج من هذه البدع والضلالات ويبدي فيها رأيه ولو كان الأمر يتعلق بذوي السلطة والجاه" (3) .