ومن الانحرافات التي سجلها العياشي في رحلته ما شاع في ركب أهل تونس من غلو وبدع وتضييع للأموال ومباهاة في مقام أبعد ما يكون عن زخرف الحياة الدنيا و عوارضها الفانية، يقول:"وماتت في الركب تلك الليلة امرأة موسرة من أهل تونس، وكانت لها محفة رفيعة تُحمل فيها، فلما ماتت أوسعوا في حفر قبرها ودفنوها بمحفتها، وذلك غلو وبدعة وتضييع مال فإن المحفة لها مال وقيمة. وحضر أمير ركب تونس وكبراؤهم، ولم ينكر ذلك أحد منهم" (4) .
ولما كانت هذه البدع والضلالات والطقوس والممارسات الضالة ليست على مجتمع معين بمحصورة، أو على بيئة محددة بمقصورة، فإن أبا سالم العياشي لم يقدم جهة ما من جهات العالم العربي الإسلامي التي شملتها رحلته باعتبارها مركزا صحيحا ومثالا صافيا للعلم والعمل، أي أنه لم يتحيز لمنطلقه، ولم يؤخذ بموئله وهو يسجل ما حل بعقيدة المسلمين وعملهم من خلل وزلل خلال القرن الحادي عشر للهجرة، بل إنه بدا متحليا بموضوعية كبيرة لا شك أن وراءها، وكما قدمنا، شخصية الرحالة العالم التي لا تبغي غير عين الحقيقة، على الأقل كما كانت تراها و تعتقدها. ففي الحرمين الشريفين، والعياشي يؤدي مناسك الحج، فإنه قد أثار الانتباه إلى ما اعتور سلوك الناس وممارساتهم ومعتقداتهم التي لا تمت إلى جوهر الحقيقة بصلة، وأعطى الأمثلة على هذه الضلالات، عامدا إلى تفنيدها بالبرهان والدليل، حرصا منه على أداء دوره الديني، وتنزيها منه لهذا المقام المقدس من جهل الجاهلين وسفاهة السفهاء، ومما سجله العياشي في