فهرس الكتاب

الصفحة 17674 من 29568

رحلته بهذا الخصوص نذكر قوله:"ثم ارتحلنا من ينبوع، وسرنا يومنا في رمال ليست بالقوية، وأشجار قليلة إلى أن نزلنا بموضع يسمى السقائف، ويقال له دار الوقدة، يقدون فيها الشمع الكبير، يستصحبه الناس معهم من مصر لذلك ويبيعونه في الركب، ويجعلونه على أقتاب (5) الجمال بالليل، فترى الركب كله كأنه من أعظم المساجد المُسْرجة مصابيحها في أحد المواسم، وشاع عندهم أن الصحابة في غزوة بدر أوقدوا هنا نيرانًا كثيرة فنحن نتشبه بهم. وتلك غفلة منهم وخطأ من وجهين: أحدهما أن وقوع الأمر بإيقاد النيران إنما كان في غزوة الفتح بمرّ الظهران كما هو معروف في كتب السير، وأما بدر فلم يقل فيها أحد ذلك. وثانيها: لو سلم أن ذلك وقع فيها فقد كان لإرهاب العدو وإظهار قوة المسلمين وكثرة عددهم، فحيث لا عدوّ فلا معنى له. ولا شكَّ أن الفرح بنصر الله أولياءه على أعدائه، والاستبشار بالأماكن التي أعزّ الله فيها الإسلام أمر مطلوب مستحسن، ما لم يؤدِ ذلك إلى محظور، مثل اعتقاد أن الوقود سنّة متبعة، بل ربما ظن بعضهم أنها من أفعال الحج، فلتُعظم بغير ذلك من فرح وسرور وصدقة وعبادة وإعلان بشكر. وقد جاءني كثير ممن لا شمع عنده يستفتون ويقولون: لا شمع عندنا فهل يلزمنا شراؤه ممن هو عنده؟ ظانّين أن ذلك من مناسك حجهم وشعائره، وكم مثلها من بدعة مُحدثة يرى الناس أنها من أعظم القربات، نسأل الله أن يميتنا على سنة النبي المستقيمة (لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا) " (6) .

على أن البدع والضلالات التي سجلها العياشي لم تقتصر على الطرقات، ولكنها تطاولت على المساجد وانتهكت حرمتها وقدسيتها، كما أنها لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت