على أن هذه البدع والضلالات كانت تأخذ بعدا أفظع لدى العامة، وتكتسي طابعا أكثر غواية وضلالة حين تقترن بفئة جاهلة لا تحمل من الإسلام إلا الاسم، ولا تميز صالح الأمور من فاسدها لغلبة الجهل عليها، وقد أورد العياشي في هذا الصدد بعض الوقائع والأحداث التي لولا معرفتنا الحقة بشخص ناقلها لاعتبرناها من قبيل الغرائبي والعجائبي، ومن ذلك ما رواه العياشي قائلا:"حكى لي بعض المجاورين أنه وُجد في بعض المواسم رجل مع امرأة في الحرم الشريف، فحملا إلى الحاكم، فشهدت البينة أنها زوجته، وقيل له: ما حملك على ما فعلت؟. فقال إنه لا ولد لنا، فرجوت أن تحمل المرأة ببركة هذا الحرم، فعذر بجهله، ولم يعاقب" (9) .
ويبدو العياشي وهو يرصد مظاهر الخلل في عبادات ومعاملات الناس، وخاصة العامة منهم، بالحرمين الشريفين حريصا على تقديم الأسباب الموضوعية لذلك، وهو كثيرا ما يربط بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية في توجيه سلوك الناس وتأطير عاداتهم ومعتقداتهم، ثم إنه يحمل على البعد عن مراكز الحضارة والانعزال عن الناس، إذ يرى في هذا العامل سببا لاستشراء الجهل والضلالة لغياب عنصر الاحتكاك والتأثير والتأثر، وبهذا فإن العياشي لا يكتفي بدور ناقل الأحداث والوقائع، ولكنه يتحول إلى قارئ لخلفيات الأمور ومحلل لها، يقول العياشي مستعرضا بعض ما شاع من جهل في صفوف الأعراب من أهل الحجاز:"وبالجملة فعرب الدرب والحجاز وتهامة ونجد أجهل العرب وأكثرهم جفاء، قلما تجد أحدهم يحسن شيئا من رسوم الشريعة الظاهرة و صلاة وصيام إلا القليل، وعوام الأعراب والبربر بمغربنا بالنسبة إلى هؤلاء فقهاء، فلا تجد"