المساجد، وزيارة المقابر، والوقوف على المكتبات، والمشاركة في المناسبات، والمساهمة في حلقات الدرس. ولا شك أن هذه المشاركات الاجتماعية الواسعة قد كانت مؤطرة بشخص العياشي الفقيه الذي كان لا يغمض جفنا عن منكر، ولا يغض طرفا عن بدعة، ولا يتجاوز ضلالة إلا ودونها في رحلته وسجل ملاحظاته بخصوصها، وقد كان العياشي أثناء هذا التدوين والتسجيل حريصا على قياس الشاهد على الغائب لرد الأمور إلى نصابها، على الأقل نظريا، مع تقديم الدليل من الكتاب والسنة، والاعتماد على التاريخ، والمقارنة بين الأحداث والوقائع، مع الميل إلى التفسير والتعليل واستحضار العامل الاقتصادي في بروز ظاهرة اجتماعية معينة أو تفشي سلوك معين.
وقد سجل العياشي بذكاء السبب الكامن وراء انتشار البُن في بيوت أهل الحجاز، فقد عزا العياشي هذا الأمر إلى أسباب اقتصادية ضاغطة، يقول:"أخبرني شيخنا الملا إبراهيم بن حسن الكوراني (11) أن شيخنا الإمام صفي الدين القُشاشي (12) كان يقول: مما أنعم الله به على أهل الحجاز هذا البن لأنهم ضعفاء فقراء في الغالب، والناس يقدمون عليهم من الآفاق، والإنسان لا بد له من طعام يقدمه لمن دخل عليه، ولا قدرة لهم على تكلف ذلك لكل أحد يدخل عليهم، وهذه القهوة خفيفة المؤنة، والناس راضون بها، غنيهم وفقيرهم، ورئيسهم ومرؤوسهم، فكانت صيانة لوجوه الفقراء عند ورود أحد عليهم، فلا يبعد أن تكون مستحبة عند أهل الحجاز لأن اتخاذ الإنسان ما يصون به عرضه مطلوب شرعا" (13) .