فهرس الكتاب

الصفحة 17679 من 29568

على أن العامل الاقتصادي لم يكن المحدد الوحيد للعادات الغذائية في الحجاز، فقد كان المناخ أيضا عاملا مهما في تحديد نمط الغذاء السائد في هذا الركن من العالم العربي الإسلامي خلال القرن الحادي عشر، يقول العياشي:"ولأهل المدينة ولوع وغرام شديد بأكل اللحم، زاعمين أنهم يستضرُّون بتركه لحرارة أبدانهم ويبسها، فيحصل لهم الترطيب به، فإذا أكلوا غيره حصل لهم يبس في الطبيعة، حتى إن من نسائهم من لا يطبخ غداءً ولا عشاءً إلا أن يكون لحما، ويقلن: نحن لا نعرف الطبخ بلا لحم، ولو أدى ذلك إلى بقائهم بلا عشاء ولا غداء. وقد أخبرني بعض أصحابنا أن من أهل المدينة من يشتري العبد فلا يكون له شغل إلا شراء اللحم، فيدور عليه في المدينة وأسواقها وفي العوالي وقباء، في زمن قلته، فلا يرجع إلى سيده حتى يحصله، أو يدور المدينة ونواحيها كلها، فإذا حصله كان ذلك شغله في ذلك اليوم، ولا يستعمله في غيره، لأنه إنما تملكه بقصد ذلك" (14) .

وإذا كان العياشي قد بدا معجبا عبر دروب هذا النص الرحلي المتميز بأهل المدينة المنورة مبجلا لهم، فإن هذا الإعجاب والتبجيل لم يمنع صاحبنا أحيانا من توجيه دفة ملاحظاته وتسجيلاته نحو مرفإ الانتقاد، خاصة حينما يتعلق الأمر ببعض ما كان يشد في نظره عن السليم والسوي من السلوك و العادات. وفي هذا الصدد فقد نالت العامة دون الخاصة أكبر نصيب من هذه الملاحظات والانتقادات، وإن كانت في مجملها ذات طابع سلوكي مقارن بما خلفه العياشي وراءه في قريته المغربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت