ووسط العامة تبرز المرأة المدينية في رحلة العياشي ذات نزعات خاصة تكمن بالأساس في رغبتها الملحة في الميل نحو مظاهر البذخ والترف، يقول العياشي مسجلا:"ولقد أُخبرت أن للنساء عليهم عادة يسمونها الشخشخة، وهو ما تشتري به المرأة ما تشتهيه من الأزهار، فربما بلغ ذلك ريالًا في كل يوم" (15) .
على أن العياشي لا يقف عند هذا الحد في انتقاده لسلوك المرأة في المدينة المنورة خلال القرن الحادي عشر للهجرة، ولكنه يسجل أن للنساء"على الرجال في ذلك الوقت إتاوة يؤدونها لهن يبتعن بها ما أحببن من اللائق بهن، من طيب أو شبهه، وربما لا تقنع إحداهن من زوجها إلا بالخمسين دينارا فما فوقها، فقد حُكي أن امرأة بعض المدرسين بها أعرفه طلبت منه في ذلك اليوم ما تخرج به إلى السوق على العادة، فدفع لها عشرة دنانير ذهبا، فاستقلتها وذهبت من شدة الغيظ فرمت بها في المرحاض وأتلفتها عليه وقالت له: أمثلي يخرج إلى السوق بهذا المقدار، فلم يملك من أمره إلا أن ذهب وتسلف خمسين دينارا فدفعها لها، وهذه حسرة عظيمة وذل للرجال" (16) .
ومن الآفات الاجتماعية الخطيرة التي سجلها العياشي نذكر آفة الرشوة التي وجدت في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ساد خلال القرن الحادي عشر تربة خصبة ومجالا ملائما للانتشار حتى إنها أصابت كل المجالات ومست مختلف المهن، بما فيها المهن الشرعية كالإمامة والخطابة والقضاء، يقول العياشي:"والحاصل أن المناصب الشرعية كلها في البلاد"