فهرس الكتاب

الصفحة 17687 من 29568

لقد كان التصوف عند أبي سالم العياشي محكوما بقاعدة أخلاقية كبرى تستمد أسسها من الكتاب والسنة وما أثر عن السلف الصالح، وقد كانت هذه القاعدة معيارا لتقييم مختلف الطرق الصوفية التي احتك بها العياشي في طريقه نحو محجه الروحي والعلمي، يقول ناصحا:"إياك والاهتمام بالرزق، والخوف من الخلق، فإنهما أصل كل وهن في الدين، وضعف في اليقين، فإن الأول يوجب الشك في المقدور، وفتور في النفس، وكل زائد في المعاش، وتعب في لاش، والثاني يثبط عن كثير من الخيرات، ويحمل على قبيح المداهنات، ويستعجل به المرء هما لا ينقضي، إلى غير ذلك من المفاسد، والاعتماد على الله كاف عنهما وناف عنك معرتهما، مع التبري من الحول والقوة. وكن أعمى وأصم عن الأمور المستقبلة، وإنها لكذلك، واجعل زمامك بيد الشرع المحمدي الواضح" (26) .

وإذا كان الشرع المحمدي الواضح البين هو الذي أطر تصوف العياشي، ومعه كافة أهل الغرب الإسلامي، فإن زمام الطرق الصوفية بالمشرق قد أفلت لدى بعضها، فابتعدت درجات عن الشرع المحمدي، ومن ثمة فقد بدا العياشي حريصا على تعضيد ودعم التصوف السني، كما عمل بالمقابل على نقض ومدافعة التصوف الفلسفي الذي علت بعض أصواته بالمشرق، وانتشر بعض أتباعه بالحجاز، وشاعت بعض مؤلفاته بين الناس، ومن هنا تبدو الرحلة العياشية بمثابة رصد دقيق وصادق لكل ما ضجت به الحياة في العالم العربي الإسلامي خلال القرن الحادي عشر للهجرة من تيارات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت